بالقتال وهذا دليل على أنّ المراد بها جميعا نفي إحصاء أعمالهم ومجازاتهم عليها من قبل الأنبياء دون منعهم عن الكفر والشّرك والمعاصي لسانا ويدا ، حتّى تنافي الأمر بالقتال .
3 - قال الماورديّ في ( 30 )
فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً :
« فيه تأويلان :
أحدهما : يعني حافظا لهم من المعاصي حتّى لا تقع منهم .
والثّاني : حافظا لأعمالهم الّتي يقع الجزاء عليها ، فتخاف ألّا تقوم بها ، فإنّ اللّه تعالى هو المجازي عليها » .
وهذا هو الموافق لسياق الآيات دون الأوّل .
وذكر الفخر الرّازيّ أيضا فيها قولين : أحدهما حفظ النّاس عن المعاصي ، والثّاني الاشتغال بزجرهم عن التّولّي فهو مثل
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
البقرة : 256 ، ثمّ نسخ بآية الجهاد . وفيه - كما سبق - أنّها نزلت بعد الأمر بالجهاد ، فالمتعيّن هو الأوّل .
4 - الآية ( 28 )
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
نزلت بشأن شعيب عليه السّلام ، وفيها بحوث :
أوّلها فيما يحفظ منه : قال الماورديّ : « يحتمل ثلاثة أوجه : أحدها : حفيظ من عذاب اللّه تعالى أن ينالكم .
والثّاني : حفيظ لنعم اللّه تعالى أن تزول عنكم . والثّالث :
حفيظ من البخس والتّطفيف إن لم تطيعوا فيه ربّكم » .
وأضاف الواحديّ وجها آخر ، وهو أنا لم أؤمر بقتالكم وإكراهكم على الإيمان . وفسّرها الزّمخشريّ كتفسير أخواتها الأربع ، فقال : « ما بعثت لأحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم عليها » .
والحقّ - كما سبق - أنّ سياق الآيات الخمس واحد ، وأريد بها أنّ الأنبياء ليسوا حافظين لأعمال العباد ومجازيهم عليها ، أوليس في إمكانهم أن يحفظوا أممهم عن الخطأ ، وأنّ عليهم إبلاغ رسالات اللّه فحسب .
ثانيها - جاءت هذه الآية حكاية عن النّبيّ شعيب عليه السّلام والآية ( 29 ) حكاية عن نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله ، وقد خاطب نبيّ الإسلام قومه الكافرين في صدرها ، ونصحهم قائلا :
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها ،
وخاطب شعيب أهل مدين في صدرها ونصحهم قائلا :
بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
هود : 86 ، وقال كلّ منهما في ذيلها :
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ،
وهو تنصّل وتبرّء يشبه الوعيد . وما قال نبيّنا ذلك لقومه إلّا بعد أن دلّهم على الرّشاد ، وبيّن لهم عاقبة من تبعه أو ندّ عنه . أمّا أخو أهل مدين فقد نصحهم بتحصيل ثواب اللّه وأجره ، دون أن يبيّن لهم طريقه .
ثالثها : قال الطّباطبائيّ : « الآية كالمعترضة بين الآيات السّابقة والآية اللّاحقة ، وهو خطاب منه تعالى عن لسان نبيّه ، كالرّسول يأتي بالرّسالة إلى قوم فيؤدّيها إليهم ، وفي خلال ما يؤدّيه يكلّمهم من نفسه بما يهيّجهم للسّمع والطّاعة ، ويحثّهم على الانقياد بإظهار النّصح ونفي الأغراض الفاسدة عن نفسه » .
التّاسع : اللّوح المحفوظ في ( 36 ) :
وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ
وفيها بحثان :
1 - قيل فيه : إنّه ( فعيل ) بمعنى ( فاعل ) ، أي حافظ