كالوعد . وفي ( حافظوا ) معنى لا يوجد في ( احفظوا ) ، وهو تكرير الحفظ » .
ونقل محمّد رشيد رضا رأي أستاذه في هذه الآية ، فقال :
« قال :
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ ،
ولم يقل : ( احفظوها ) ، لأنّ المفاعلة تدلّ على المنازعة والمقاومة . ولا يظهر قول بعضهم : إنّ المفاعلة للمشاركة ، لأنّ الصّلاة تحفظه كما يحفظها ، إلّا لو كانت العبارة : حافظوا الصّلوات ، ولكنّه قال :
عَلَى الصَّلَواتِ ،
أي اجتهدوا في حفظها والمداومة عليها » .
وتدارك رأي أستاذه بقوله : « لا يريد الأستاذ بهذا أنّ الصّلاة لا تحفظ ممّا ذكر ، وإنّما يريد أنّ لفظ ( حافظوا ) لا يدلّ على هذا المعنى الثّابت في نفسه » . ثمّ عقّب قائلا :
« والّذي أفهمه في المفاعلة على الشّيء هو فعله المرّة بعد المرّة ، ومنه : حافظ عليه ، وواظب عليه ، وداوم عليه . إلّا إذا كانت ( على ) للتّعليل ، ك « قاتله على الأمر » ، أي لأجله ، فالمقاتلة فيه للمشاركة ، ولا يصحّ هنا » .
ولقائل أن يقول : إنّ المفاعلة هنا ترغيب إلى مشاركة القلب والقالب ، أو مشاركة جميع الأعضاء فيها ، أو مشاركة المؤمنين في أدائها جماعة .
المحور الثّالث : الاستحفاظ في ( 43 ) :
بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ
وفيها بحوث :
1 - فسّر الاستحفاظ بالاستيداع ، من قولهم :
استحفظته شيئا ، أي استودعته ، والمعنى أنّ اللّه استودع بني إسرائيل التّوراة ، ولكنّهم ضيّعوها وحرّفوا ما فيها .
قال أبو حيّان : « في بناء الفعل للمفعول وكون الفعل للطّلب ما يدلّ على أنّه تعالى لم يتكفّل بحفظ التّوراة ، بل طلب منهم حفظها وكلّفهم بذلك ، فغيّروا وبدّلوا وخالفوا أحكام اللّه ، بخلاف كتابنا ، فإنّ اللّه تعالى قد تكفّل بحفظه ، فلا يمكن أن يقع فيه تبديل ولا تغيير ، قال تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
الحجر : 9 » .
2 - قال الفخر الرّازيّ : « فيه مسألتان :
المسألة الأولى : حفظ كتاب اللّه على وجهين : الأوّل :
أن يحفظ فلا ينسى . الثّاني : أن يحفظ فلا يضيّع . وقد أخذ اللّه على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين : أحدهما :
أن يحفظوه في صدورهم ، ويدرسوه بألسنتهم . والثّاني : أن لا يضيّعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه .
المسألة الثّانية : الباء في قوله :
بِمَا اسْتُحْفِظُوا
فيه وجهان : الأوّل : أن يكون صلة الأحبار ، على معنى العلماء بما استحفظوا . والثّاني : أن يكون المعنى يحكمون بما استحفظوا ، وهو قول الزّجّاج » .
3 - الباء في
بِمَا اسْتُحْفِظُوا
سببيّة متعلّقة ب ( يحكم ) ، و ( ما ) موصولة ، والضّمير في الفعل عائد على النّبيّين والرّبّانيّين والأحبار ، أو عائد على الرّبّانيّين والأحبار فقط ، والّذين استحفظهم التّوراة هم الأنبياء .
وقيل : الباء صلة لفعل مقدّر معطوف على قوله :
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ ،
و ( ما ) مصدريّة .
قال الآلوسيّ : « توهّم بعضهم أنّ ( ما ) بمعنى أمر ، و ( من ) لتبيين مفعول محذوف ل ( استحفظوا ) ، والتّقدير :
بسبب أمر ( استحفظوا ) به شيئا
مِنْ كِتابِ اللَّهِ .
وهو ممّا لا ينبغي أن يخرّج عليه كتاب اللّه تعالى . وقيل :
الأولى أن تجعل ( ما ) مصدريّة ، ليستغنى عن تقدير العائد ، وحينئذ لا يتأتّى القول بأنّ ( من ) بيان لها . ومن