فضل اللّه : وهذا هو ما أراد القسم تأكيده ، وكلمة ( لمّا ) بمعنى « إلّا » أي ما من نفس إلّا وعليها حافظ يحفظ عليها أعمالها لتحاسب عليها يوم القيامة . والظّاهر أنّ المراد بالحافظ : الملك الّذي يكتب صحيفة الأعمال . [ ثمّ نقل كلام الطّباطبائيّ في الاحتمال الثّاني لحفظ النّفس وقال : ]
ونلاحظ أنّ هذا الاحتمال بعيد عن الظّهور ، من خلال أنّ السّياق ينطلق في بيان مسؤوليّة الإنسان عن أعماله الّتي يواجهها في يوم القيامة ، ممّا يفرض عليه الدّقّة في المحاسبة والمراقبة ، وعدم الشّعور بالحرّيّة المطلقة في ما يأخذ به وفي ما يدعه ، ولا موجب للحديث عن حفظ النّفس وعدم بطلانها بالموت ، فإنّ طبيعة الحديث عن المعاد يفرض ذلك من دون حاجة إلى هذا التّعبير البعيد عن الذّهن . أمّا ما ذكره شاهدا على ذلك من الآيتين ، فالظّاهر أنّ المراد بهما : حفظ النّفس في الحياة من الموت قبل إتيان الأجل ، واللّه العالم . ( 24 : 181 )
حافظا
. . . فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ .
يوسف : 64
كعب الأحبار : لمّا قال يعقوب :
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً
قال اللّه عزّ وجلّ : وعزّتي لأردّنّ عليك كليهما بعد ما توكّلت عليّ . ( الواحديّ 2 : 621 )
الفرّاء :
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً
و ( حفظا ) . وهي في قراءة عبد اللّه ( واللّه خير الحافظين ) وهذا شاهد للوجهين جميعا ؛ وذلك أنّك إذا أضفت « أفضل » إلى شيء فهو بعضه ، وحذف المخفوض يجوز وأنت تنويه . فإن شئت جعلته خيرهم حفظا فحذفت الهاء والميم ، وهي تنوى في المعنى ، وإن شئت جعلت ( حافظا ) تفسيرا لأفضل ، وهو كقولك : لك أفضلهم رجلا ثمّ تلغي الهاء والميم ، قتقول :
لك أفضل رجلا وخير رجلا . والعرب تقول : لك أفضلها كبشا ، وإنّما هو تفسير الأفضل . إنّ ابن مسعود قرأ ( فاللّه خير حافظا ) وقد أعلمتك أنّها مكتوبة في مصحف عبد اللّه ( خير الحافظين ) . ( 2 : 49 )
الطّبريّ : واختلفت القرّاء في
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً
فقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل المدينة وبعض الكوفيّين والبصريّين ( فاللّه خير حفظا ) بمعنى : واللّه خيركم حفظا .
وقرأ ذلك عامّة قرّاء الكوفيّين وبعض أهل مكّة
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً
بالألف ، على توجيه ( الحافظ ) إلى أنّه تفسير للخير ، كما يقال : هو خير رجلا ، والمعنى : فاللّه خيركم حافظا ، ثمّ حذفت الكاف والميم .
والصّواب من القول في ذلك : أنّهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى ، قد قرأ بكلّ واحدة منهما أهل علم بالقرآن ، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيب ؛ وذلك أنّ من وصف اللّه بأنّه خيرهم حفظا ، فقد وصفه بأنّه خيرهم حافظا ، ومن وصفه بأنّه خيرهم حافظا فقد وصفه بأنّه خيرهم حفظا . ( 13 : 11 )
نحوه البغويّ . ( 2 : 501 )
الزّجّاج : ( فاللّه خير حفظا ) وتقرأ ( حافظا ) .
و ( حفظا ) منصوب على التّمييز ، و ( حافظا ) منصوب على الحال ، ويجوز أن يكون ( حافظا ) على التّمييز أيضا .
( 3 : 118 )