والحقّ أنّ تفسيرها بذلك تفسير باللّازم ، ومن البعيد قول أبي مسلم : إنّ المعنى أمرنا حطّة أي أن نحطّ في هذه القرية ونقيم بها ، لعدم ظهور تعلّق الغفران به وترتّب التّبديل عليه ، إلّا أن يقال : كانوا مأمورين بهذا القول عند الحطّ في القرية لمجرّد التّعبّد ، وحين لم يعرفوا وجه الحكمة بدّلوه .
وقرأ ابن أبي عبلة بالنّصب بمعنى حطّ عنّا ذنوبنا ( حطّة ) أو نسألك ذلك ، ويجوز أن يكون النّصب على المفعوليّة ل ( قولوا ) أي قولوا هذه الكلمة بعينها - وهو المرويّ عن ابن عبّاس - ومفعول القول عند أهل اللّغة يكون مفردا إذا أريد به لفظه .
ولا عبرة بما في « البحر » من المنع إلّا أنّه يبعد هذا أنّ هذه اللّفظة عربيّة وهم ما كانوا يتكلّمون بها ، ولأنّ الظّاهر أنّهم أمروا أن يقولوا قولا دالّا على التّوبة والنّدم ، حتّى لو قالوا : اللّهمّ إنّا نستغفرك ونتوب إليك ، لكان المقصود حاصلا ، ولا تتوقّف التّوبة على ذكر لفظة بعينها ، ولهذا قيل : الأوجه في كونها مفعولا ل ( قولوا ) أن يراد :
قولوا أمرا حاطّا لذنوبكم من الاستغفار ، وحينئذ يزول عن هذا الوجه الغبار .
ثمّ هذه اللّفظة على جميع التّقادير عربيّة معلومة الاشتقاق ، والمعنى وهو الظّاهر المسموع . وقال الأصمّ :
هي من ألفاظ أهل الكتاب لا نعرف معناها في العربيّة .
وذكر عكرمة أنّ معناها : لا إله إلّا اللّه ، وهو من الغرابة بمكان . ( 1 : 265 )
مغنيّة :
وَقُولُوا حِطَّةٌ .
بعد أن أمرهم اللّه سبحانه أن يدخلوا بخضوع وخشوع ، أيضا أمرهم أن يقرنوا الخشوع بقول التّضرّع والتّذلّل مثل : نستغفر اللّه ، ونسأله التّوبة ، ليحصل التّوافق والتّلاؤم بين القول والفعل ، تماما كما تقول في ركوعك : « سبحان ربّي العظيم » ، وفي سجودك : « سبحان ربيّ الأعلى » .
وليس من الضّروريّ أن يتلفّظوا بلفظ ( حطّة ) بالذّات وعلى سبيل التّعبّد ، كما قال كثير من المفسّرين ، ولا أن يكون المراد من ( حطّة ) العمل الّذي يحطّ الذّنوب كما في تفسير « المنار » نقلا عن محمّد عبده ، حيث قال : إنّ اللّه لم يكلّفهم بالتّلفّظ ؛ إذ لا شيء أيسر على الإنسان منه .
ويلاحظ بأنّ اللّه قد كلّف عباده بالكلام والتّلفّظ في الصّلاة ، وأعمال الحجّ ، وفي الأمر بالمعروف ، وردّ التّحيّة ، وأداء الشّهادة ، بل وبإخراج الحروف من مخارجها في بعض الموارد . ( 1 : 110 )
فضل اللّه :
وَقُولُوا حِطَّةٌ
وابتهلوا إلى اللّه في اعتراف صادق بالتّوبة ، والنّدم عن كلّ التّاريخ الخاطئ الّذي عشتموه في خطاياكم ، وقولوا - في ابتهالاتكم - اللّهمّ حطّ عنّا خطايانا ، فإنّ اللّه سوف يستجيب لكم ذلك ، ويغفر لكم خطيئاتكم . ( 2 : 58 )
2 -
. . . وَقُولُوا حِطَّةٌ
وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ . . .
الأعراف : 161
الزّمخشريّ : فإن قلت : كيف اختلفت العبارة هاهنا وفي سورة البقرة ؟
قلت : لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض ، ولا تناقض بين قوله :
اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها
وبين قوله : ( فكلوا ) لأنّهم إذا سكنوا