منه قليلا أو يزيد عليه ، ثمّ قال في آخرها :
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ . . . ،
فذيلها نسخ صدرها - وهي أحد موارد النّسخ في القرآن ، فهي حجّة على من أنكر النّسخ رأسا - وصدرها مكّيّة نزلت في أوائل البعثة ، أمّا ذيلها فالظّاهر أنّها نزلت بالمدينة ، ولهذا لم يلاحظ فيها نظم المكّيّات : من رعاية قصر الآيات ؛ بل جاءت في آية واحدة هي من أطول الآيات بعد « آية الدّين » وفيها تذكار بأمر الجهاد :
وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ،
والجهاد من الأحكام المدنيّة .
وخلاف آخر بينهم في مرجع ضمير المفعول
تُحْصُوهُ ،
وفي معناها ، فبعضهم أرجع الضّمير إلى قيام ثلثي اللّيل وسائر الأوقات ، فقال : لا تطيقون قيامها لعدم علمكم بها ، ومنهم من أرجعه إلى مقدار ثلثي اللّيل ونصفه وثلثه ، فقال : « لا تحفظوا ، أو لا تقدّروا هذه المقادير : الثّلثين والثّلث والنّصف » . فكان الرّجل يقوم ولا يدري متى ينتصف اللّيل ، ومتى يكون الثّلثان أو الثّلث ، وكان الرّجل يقوم حتّى الصّبح مخافة أن لا يحفظه .
ولهذا قلنا : إنّ رجوع الضّمير إلى تقدير الأوقات ألصق بالسّياق ، ويناسبه « الإحصاء » أي لا تقدرون أن تحصوا هذه المقادير .
ومن أجل ذلك حملها بعضهم على تكليف ما لا يطاق ، واحتجّ بها على جوازه . والجواب عنه أنّ اللّه خيّر نبيّه في صدرها بين هذه المقادير مع تقييدها ب ( قليلا ) تنبيها على أنّه لا يجب لحاظها بالدّقّة ، وأنّه يكفيه ما قرب منها ، وهذا ممّا يطاق . إلّا أنّ بعض المؤمنين كانوا يراعون الدّقّة فيها فصعب عليهم الأمر فنسخها اللّه كما قال :
فَتابَ عَلَيْكُمْ .
وفيها بحوث أخرى تعلم بمراجعة النّصوص ، لا سيّما ما طوّلوه في إعراب الآية ، فلاحظ .
سابعا : في ( 8 و 9 )
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
بحوث :
1 - هاتان آيتان من سورتين مكّيّتين : « إبراهيم والنّحل » ، وقد تكلّم اللّه فيهما عن رؤوس النّعم الّتي أنعم اللّه بها على الإنسان : منها خلق السّماوات والأرض ، وإنزال الماء من السّماء ، وإنبات الثّمرات به ، وتسخير الشّمس والقمر والنّجوم ، واللّيل والنّهار ، وتسخير الفلك في البحر ، وتسخير الأنهار والبحار ونحوها من الآيات الّتي جاءت قبل الآيتين بسياق مشابه ، ثمّ قال بعدها في الأولى
وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ .
وقال في الثّانية :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ .
فذيّل الأولى بقوله :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ،
ترهيبا وإنذارا ووعيدا ، وذيّل الثّانية بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ،
ترغيبا وإرجاء ، ووعدا ، فجمع فيهما ما ينتهي إلى حصول الخوف والرّجاء في قلوب العباد المطلوب منهم .
2 - ومن « رسم الخطّ القرآنيّ » في كلمة ( نعمت ) أنّها جاءت في الأولى بالتّاء الطّويلة في سورة إبراهيم مرّتين ،