جمعا بين العوض والمعوّض كذا قيل .
ولا يخفى أنّ مثل هذا غير جائز اللّهمّ إلّا شاذّا استعمالا وقياسا ، فالأوجه أن يكون ثنّى الحسرة مبالغة على نحو لبيّك وسعديك وأقام بين ظهريهم وظهرانيهم ، على لغة بلحرث بن كعب من إبقاء المثنّى على الألف في الأحوال كلّها ، واختار ذلك صاحب « الكشف » . وجوّز أبو الفضل الرّازيّ أيضا في كتابه « اللّوامح » أن تكون التّثنية على ظاهرها على تلك اللّغة ، والمراد حسرة فوت الجنّة وحسرة دخول النّار ، واعتبار التّكثير أولى لكثرة حسراتهم يوم القيامة . ( 24 : 17 )
مكارم الشّيرازيّ :
يا حَسْرَتى
في الأصل هي : يا حسرتي ، حسرة أضيفت إليها ياء المتكلّم والتّحسّر معناه الحزن ممّا فات وقته ، لانحساره ممّا لا يمكن استدراكه . [ ثمّ ذكر قول الرّاغب وقال : ]
نعم ، فعند ما يرد الإنسان إلى ساحة المحشر ويرى بأمّ عينيه نتائج إفراطه وإسرافه ومخالفته ، واتّخاذه الأمور الجدّيّة هزوا ولعبا ، يصرخ فجأة « وا حسرتاه » إذ يمتلئ قلبه في تلك اللّحظات بغمّ كبير مصحوب بندم عميق ، وهذه الحالة النّفسيّة يصفها لسان حاله بعبارات ، كالعبارات الّتي وردت في الآيات المذكورة .
( 15 : 120 )
حسرتنا
. . . حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها . . .
الأنعام : 31
النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : يرى أهل النّار منازلهم من الجنّة ، فيقولون : ( يا حسرتنا ) . ( الطّبريّ 7 : 179 )
ابن عبّاس : يا حزناه ، يا ندامتاه . ( 108 )
نحوه السّدّيّ ( 241 ) ، والطّبريّ ( 7 : 178 ) ، والثّعلبيّ ( 4 : 143 ) .
ابن كيسان : يعني بأعمالهم ، عبادتهم الأوثان رجاء أن تقرّبهم إلى اللّه تعالى ، فلمّا عذّبوا على ما كانوا يرجون ثوابه ، تحسّروا وندموا . ( الواحديّ 1 : 252 )
الزّجّاج : إن قال قائل : ما معنى دعاء الحسرة ، وهي لا تعقل ولا تجيب ؟
فالجواب عن ذلك : أنّ العرب إذا اجتهدت في الإخبار عن عظيم تقع فيه جعلته نداء ، فلفظه لفظ ما ينبّه والمنبّه غيره ، مثل قوله عزّ وجلّ :
يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
الزّمر : 56 ، وقوله :
يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ
هود : 72 ، وقوله :
يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا
يس : 52 ، فهذا أبلغ من أن تقول : أنا حسر على العباد ، وأبلغ من أن تقول : الحسرة علينا في تفريطنا .
قال سيبويه : « إنّك إذا قلت : يا عجباه ، فكأنّك قلت :
احضر وتعال يا عجب فإنّه من أزمانك ، وتأويل
يا حَسْرَتَنا
انتبهوا على أنّنا قد خسرنا » . وهذا مثله في الكلام في أنّك أدخلت عليه « يا » للتّنبيه ، وأنت تريد النّاس قولك : لا أرينّك هاهنا ، فلفظك لفظ النّاهي نفسه ، ولكنّه لمّا علم أنّ الإنسان لا يحتاج أن يلفظ بنهي نفسه دخل المخاطب في النّهي ، فصار المعنى : لا تكوننّ هاهنا ، فإنّك إذا كنت رأيتك ، وكذلك ( يا حسرتنا ) قد علم أنّ الحسرة لا تدعى ، فوقع التّنبيه للمخاطبين . ( 2 : 241 )