الرّابع : ( حسنا ) أي قول هو حسن في نفسه لإفراط حسنه .
المسألة الثّانية : يقال : لم خوطبوا ب ( قولوا ) بعد الإخبار ؟
والجواب من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّه على طريقة الالتفات ، كقوله تعالى :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ
يونس : 22 .
وثانيها : فيه حذف ، أي قلنا لهم : قولوا .
وثانيها : الميثاق لا يكون إلّا كلاما ، كأنّه قيل : قلت :
لا تعبدوا وقولوا .
المسألة الثّالثة اختلفوا في أنّ المخاطب بقوله :
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
من هو ؟
فيحتمل أن يقال : إنّه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلّا اللّه ، وعلى أن يقولوا للنّاس حسنا . ويحتمل أن يقال : إنّه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلّا اللّه ، ثمّ قال لموسى وأمّته :
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً .
والكلّ ممكن بحسب اللّفظ وإن كان الأوّل أقرب ، حتّى تكون القصّة قصّة واحدة مشتملة على محاسن العادات ومكارم الأخلاق ، من كلّ الوجوه .
المسألة الرّابعة : منهم من قال : إنّما يجب القول الحسن مع المؤمنين ، أمّا مع الكفّار والفسّاق فلا ، والدّليل عليه وجهان :
الأوّل : أنّه يجب لعنهم وذمّهم والمحاربة معهم ، فكيف يمكن أن يكون القول معهم حسنا .
الثّاني : قوله تعالى :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
النّساء : 148 فأباح الجهر بالسّوء لمن ظلم ، ثمّ إنّ القائلين بهذا القول منهم من زعم أنّ هذا الأمر صار منسوخا بآية القتال ، ومنهم من قال : إنّه دخله التّخصيص ، وعلى هذا التّقدير يحصل هاهنا احتمالان : أحدهما : أن يكون التّخصيص واقعا بحسب المخاطب ، وهو أن يكون المراد : وقولوا للمؤمنين حسنا .
والثّاني : أن يقع بحسب الخطاب ، وهو أن يكون المراد : قولوا للنّاس حسنا في الدّعاء إلى اللّه تعالى ، وفي الأمر بالمعروف .
فعلى الوجه الأوّل يتطرّق التّخصيص إلى المخاطب دون الخطاب ، وعلى الثّاني يتطرّق إلى الخطاب دون المخاطب .
وزعم أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر : أنّ هذا العموم باق على ظاهره ، وأنّه لا حاجة إلى التّخصيص . وهذا هو الأقوى ، والدّليل عليه أنّ موسى وهارون مع جلال منصبهما أمرا بالرّفق واللّين مع فرعون ، وكذلك محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور بالرّفق وترك الغلظة ، وكذا قوله تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
النّحل : 125 ، وقال تعالى :
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ
الأنعام : 108 ، وقوله :
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
الفرقان : 72 ، وقوله :
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
الأعراف : 199 .
أمّا الّذي تمسّكوا به أوّلا من أنّه يجب لعنهم وذمّهم ، فلا يمكنهم القول الحسن معهم .
قلنا أوّلا : لا نسلّم أنّه يجب لعنهم وسبّهم ، والدّليل عليه قوله تعالى :
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ .