الإنسان .
وهذه الآية تدلّ على صحّة تأويلنا في الآية المتقدّمة ، لأنّه لو كان المراد بتلك نفس ما أريد بهذه ، لكان الكلام يتناقض عن قرب ، لأنّه في الأولى أضافها إلى نفسه ، وفي الثّانية إلى العبد ، ويتعالى اللّه عن ذلك ، فكأنّه قال : ما أصابكم من الرّخاء والشّدّة فكلّه من عنده تعالى . وليس كذلك السّيّئات والحسنات ، لأنّها من عند أنفسكم .
فأمّا إضافته تعالى الحسنة إلى نفسه ، فلأنّه تعالى أعان عليها وسهّل السّبيل إليها ولطف فيها ، فلم تقطع منّا إلّا بأمور من قبله تعالى ، فصحّ أن تضاف إليه ، ولا يمنع ذلك كونها من فعل العبد ، لأنّ الإضافة قد تقع على هذين الوجهين ، ولو كانت السّيّئة من فعله تعالى لم يكن لإضافتها إلى العبد وجه ، ولا كان للفصل بينها وبين الحسنة في قطع إضافتها عن اللّه معنى ، مع أنّه الخالق لهما جميعا .
وقد قيل : إنّ المراد أنّ الحسنة بتفضّل اللّه تعالى ، وأنّ السّيّئة الّتي هي الشّدّة ، لأمور من قبلكم ارتكبتموها ، تحلّ محلّ العقوبة ، فلذلك أضافه إليهم . وهذا وإن احتمل ، فالأوّل أظهر .
فأمّا من حرّف التّنزيل لكيلا يلزمه بطلان مذهبه ، وزعم أنّ المراد به : فمن نفسك ؟ على جهة الإنكار ، فقد بلغ في التّجاهل ، وردّ التّلاوة الظّاهرة إلى حيث يستغنى عن مكالمته . ( 1 : 197 - 199 )
الماورديّ : وفي الحسنة هاهنا ثلاثة تأويلات :
أحدها : البؤس والرّخاء . [ ثمّ نقل قولي ابن عبّاس والحسن ] ( 1 : 508 )
الزّمخشريّ : السّيّئة تقع على البليّة والمعصية ، والحسنة على النّعمة والطّاعة ، قال اللّه تعالى :
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
الأعراف : 168 ، وقال :
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
هود : 114 .
والمعنى : وإن تصبهم نعمة من خصب ورخاء نسبوها إلى اللّه ، وإن تصبهم بليّة من قحط وشدّة أضافوها إليك ، وقالوا : هي من عندك ، وما كانت إلّا بشؤمك ، كما حكى اللّه عن قوم موسى :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ
الأعراف : 131 ، وعن قوم صالح :
قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ
النّمل : 47 .
وروي عن اليهود - لعنت - : أنّها تشاءمت برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا : منذ دخل المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها . ( 1 : 545 )
نحوه النّسفيّ ( 1 : 328 ) ، وابن كثير ( 2 : 343 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 317 ) ، وأبو السّعود ( 2 : 167 ) ، والكاشانيّ ( 1 : 437 ) ، والبروسويّ ( 2 : 242 ) ، والقاسميّ ( 5 : 1403 ) ، والمراغيّ ( 5 : 96 ) ، وفضل اللّه ( 7 : 362 ) .
الطّبرسيّ : [ نقل الأقوال السّابقة ثمّ قال : ]
وقيل : هم المنافقون عبد اللّه بن أبيّ وأصحابه الّذين تخلّفوا عن القتال يوم أحد ، وقالوا للّذين قتلوا في الجهاد : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا . فعلى هذا يكون معناه إن يصبهم ظفر وغنيمة قالوا : هذا من عند اللّه ، وإن يصبهم مكروه وهزيمة قالوا : هذه من عندك يا محمّد