والسّيّئة ، كانت الآية دالّة على أنّ جميع الطّاعات والمعاصي من اللّه ، وهو المطلوب .
فإن قيل : المراد هاهنا بالحسنة والسّيّئة ليس هو الطّاعة والمعصية ، ويدلّ عليه وجوه :
الأوّل : اتّفاق الكلّ على أنّ هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب فكانت مختصّة بهما .
الثّاني : أنّ الحسنة الّتي يراد بها الخير والطّاعة لا يقال فيها : أصابتني ، إنّما يقال : أصبتها ، وليس في كلام العرب أصابت فلانا حسنة بمعنى عمل خيرا ، أو أصابته سيّئة بمعنى عمل معصية ، فعلى هذا لو كان المراد ما ذكرتم لقال :
إن أصبتم حسنة .
الثّالث : لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطّاعة وعلى المنفعة ، وهاهنا أجمع المفسّرون على أنّ المنفعة مرادة ، فيمتنع كون الطّاعة مرادة ، ضرورة أنّه لا يجوز استعمال اللّفظ المشترك في مفهوميه معا .
فالجواب عن الأوّل :
أنّكم تسلّمون أنّ خصوص السّبب لا يقدح في عموم اللّفظ .
والجواب عن الثّاني : أنّه يصحّ أن يقال : أصابني توفيق من اللّه وعون من اللّه ، وأصابه خذلان من اللّه ، ويكون مراده من ذلك التّوفيق والعون تلك الطّاعة ، ومن الخذلان تلك المعصية .
والجواب عن الثّالث : أنّ كلّ ما كان منتفعا به فهو حسنة ، فإن كان منتفعا به في الآخرة فهو الطّاعة ، وإن كان منتفعا به في الدّنيا فهو السّعادة الحاضرة ، فاسم الحسنة بالنّسبة إلى هذين القسمين متواطئ الاشتراك ، فزال السّؤال ، فثبت أنّ ظاهر الآية يدلّ على ما ذكرناه .
وممّا يدلّ على أنّ المراد ليس إلّا ذاك ما ثبت في « بداءة العقول » أنّ كلّ موجود فهو إمّا واجب لذاته ، وإمّا ممكن لذاته ، والواجب لذاته واحد وهو اللّه سبحانه وتعالى ، والممكن لذاته كلّ ما سواه ، فالممكن لذاته إن استغنى عن المؤثّر فسد الاستدلال بجواز العالم وحدوثه على وجود الصّانع ، وحينئذ يلزم نفي الصّانع ، وإن كان الممكن لذاته محتاجا إلى المؤثّر . فإذا كان كلّ ما سوى اللّه ممكنا كان كلّ ما سوى اللّه مستندا إلى اللّه ، وهذا الحكم لا يختلف بأن يكون ذلك الممكن ملكا أو جمادا أو فعلا للحيوان أو صفة للنّبات ، فإنّ الحكم لاستناد الممكن لذاته إلى الواجب لذاته لما بيّنّا من كونه ممكنا ، كان الكلّ فيه على السّويّة . وهذا برهان أوضح وأبين من قرص الشّمس على أنّ الحقّ ما ذكره تعالى ، وهو قوله :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
( 10 : 187 )
نحوه القرطبيّ ( 5 : 284 ) ، والخازن ( 1 : 468 ) .
الرّازيّ : فإن قيل : كيف عاب على المشركين والمنافقين قولهم :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ . . .
وردّ عليهم ، ذلك بقوله :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
ثمّ قال بعد ذلك :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ . . .
النّساء : 79 ، وأخبره بعين قولهم المردود عليهم ؟
قلنا : قيل : إنّ الثّاني حكاية قولهم أيضا ، وفيه إضمار تقديره :
فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
النّساء : 78 ، فيقولون :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ . . . .
وقيل : معناه ما أصابك أيّها الإنسان من حسنة ، أي