الأوّل : قوله :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
مريم : 71 ، أثبت الورود وهو الدّخول ، فدلّ على أنّ هذا الإبعاد هو الإخراج .
الثّاني : أنّ إبعاد الشّيء عن الشّيء لا يصحّ إلّا إذا كانا متقاربين ، لأنّهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر ، لأنّ تحصيل الحاصل محال .
واحتجّ القاضي عبد الجبّار على فساد هذا القول الأوّل بأمور :
أحدها : أنّ قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى
يقتضي أنّ الوعد بثوابهم قد تقدّم في الدّنيا ، وليس هذا حال من يخرج من النّار لو صحّ ذلك .
وثانيها : أنّه تعالى قال :
أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
وكيف يدخل في ذلك من وقع فيها .
وثالثها : قوله تعالى :
لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها
الأنبياء : 102 ، وقوله :
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
الأنبياء : 103 ، يمنع من ذلك .
والجواب عن الأوّل : لا نسلّم أن يقال : المراد من قوله :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى
هو أنّ الوعد بثوابهم قد تقدّم ، ولم لا يجوز أنّ المراد من ( الحسنى ) تقدّم الوعد بالعفو . سلّمنا أنّ المراد من ( الحسنى ) تقدّم الوعد بالثّواب ، لكن لم قلتم : إنّ الوعد بالثّواب لا يليق بحال من يخرج من النّار ، فإنّ عندنا المحابطة باطلة ، ويجوز الجمع بين استحقاق الثّواب والعقاب .
وعن الثّاني : أنّا بيّنّا أنّ قوله :
أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلّا في حقّ من كان في النّار .
وعن الثّالث : أنّ قوله :
لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها
مخصوص بما بعد الخروج .
أمّا قوله :
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
فالفزع الأكبر هو عذاب الكفّار ، وهذا بطريق المفهوم يقتضي أنّهم يحزنهم الفزع الأصغر ، فإن لم يدلّ عليه فلا أقلّ من أن لا يدلّ على ثبوته ، ولا على عدمه .
الوجه الثّاني « 1 » : في تفسير قوله :
أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
أنّ المراد الّذين سبقت لهم منّا الحسنى لا يدخلون النّار ولا يقربونها ألبتّة ، وعلى هذا القول بطل قول من يقول : إنّ جميع النّاس يردون النّار ثمّ يخرجون إلى الجنّة ، لأنّ هذه الآية مانعة منه ، وحينئذ يجب التّوفيق بينه وبين قوله :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[ ثمّ أدام البحث في بقيّة الصّفات فلاحظ ، وستجيء كلّ صفة في محلّها ] ( 22 : 226 )
الشّربينيّ : أي الحكم بالموعدة البالغة في الحسن في الأزل . ( 2 : 531 )
أبو السّعود : أي سبقت لهم منّا في التّقدير الخصلة الحسنى الّتي هي أحسن الخصال وهي السّعادة ، وقيل :
التّوفيق للطّاعة . أو سبقت لهم كلمتنا بالبشرى بالثّواب على الطّاعة . وهو الأدخل الأظهر في الحمل عليها لما أنّ الأوّلين مع خفائهما ليسا من مقدورات المكلّفين ، فالجملة مع ما بعدها تفصيل لما أجمل في قوله :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ . . .
الأنبياء : 94 . ( 4 : 359 )
نحوه البروسويّ ( 5 : 524 ) ، والآلوسيّ ( 17 : 97 ) ،
هامش
( 1 ) والوجه الأوّل قوله : « فقال أهل العفو : معناه أولئك عنها مخرجون » .