مؤنّث أحسن هنا بمعنى أفضل الثّواب أو أفضل العواقب ؛ وذلك ما يدّعيه أولئك المغرورون الضّالّون لأنفسهم ، مع كلّ ما جاؤوا به من جرائم !
وهنا يطرح السّؤال التّالي نفسه : كيف يقول عرب الجاهليّة بذلك وهم لا يؤمنون بالمعاد ؟
والجواب : أنّهم لم ينكروا المعاد مطلقا ، وإنّما كانوا ينكرون المعاد الجسمانيّ ، ويستوعبون مسألة عودة الإنسان إلى حياته المادّيّة مرّة أخرى .
إضافة إلى إمكان اعتبار قولهم قضيّة شرطيّة ، أي إن كان هناك معاد حقّا فسيكون لنا في عالمه أفضل الجزاء ! وهكذا هو تصوّر كثير من الجبابرة والمنحرفين من الّذين يعتبرون أنفسهم أقرب النّاس إلى اللّه ، وبالرّغم من ادّعاءاتهم الهزيلة المدعاة للسّخريّة .
واحتمل بعض المفسّرين أيضا أنّ ( الحسنى ) تعني نعمة الأولاد الذّكور ، لأنّهم يعتبرون البنات سوء وشرّا ، والبنين نعمة وحسنى .
إلّا أنّ التّفسير الأوّل يبدو أكثر صوابا ، ولهذا يقول القرآن ، وبلا فاصلة :
لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ
أي أنّهم ليسوا فاقدين لحسن العاقبة فقط بل ولهم النّار .
( 8 : 207 )
فضل اللّه : ذلك أنّ الكذب يطبع سلوكهم وحياتهم في كلّ ما يقولونه عن اللّه وعن النّاس وعن أنفسهم ، لأنّ الّذين لا يلتزمون بالحقّ في العقيدة ، ولا يتحمّلون مسؤوليّة البحث عنه ، لا يمكن أن يحترموا الحقيقة في كلامهم ، على حساب نوازعهم الذّاتيّة وشهواتهم ومطامعهم الّتي ينطلقون منها ويقرّرون على أساسها أنّ لهم الحسنى . وربّما كان المراد بها الجنّة الّتي قد يرون أنّهم يستحقّونها دون حجّة تؤكّد ذلك أو علم . ( 13 : 250 )
10 -
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً .
الكهف : 88
ابن عبّاس : الجنّة في الآخرة . ( 252 )
الطّبريّ : يقول : وأمّا من صدّق اللّه منهم ووحّده ، وعمل بطاعته فله عند اللّه الحسنى ، وهي الجنّة ، ( جزاء ) :
يعني ثوابا على إيمانه ، وطاعته ربّه .
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك ، فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة وبعض أهل البصرة والكوفة ( فله جزاء الحسنى ) برفع الجزاء وإضافته إلى الحسنى .
وإذا قرئ ذلك كذلك ، فله وجهان من التّأويل :
أحدهما : أن يجعل ( الحسنى ) مرادا بها إيمانه وأعماله الصّالحة ، فيكون معنى الكلام إذا أريد بها ذلك : وأمّا من آمن وعمل صالحا فله جزاؤها ، يعني جزاء هذه الأفعال الحسنة .
والوجه الثّاني : أن يكون معنيّا ب ( الحسنى ) : الجنّة ، وأضيف « الجزاء » إليها ، كما قيل :
وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ
يوسف : 109 ، والدّار : هي الآخرة ، وكما قال :
وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
البيّنة : 5 ، والدّين هو القيّم .
وقرأ آخرون :
فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى
بمعنى : فله الجنّة جزاء ، فيكون « الجزاء » منصوبا على المصدر ، بمعنى :
يجازيهم جزاء الجنّة .
وأولى القراءتين بالصّواب في ذلك عندي قراءة من قرأه :
فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى
بنصب الجزاء وتنوينه ، على