مثاله أنّ صريح العقل شاهد بأنّ الإقرار بأنّ إله العالم حيّ عالم قادر حليم حكيم رحيم ، أولى من إنكار ذلك ، فكان ذلك المذهب أولى ، والإقرار بأنّ اللّه تعالى لا يجري في ملكه وسلطانه إلّا ما كان على وفق مشيئته أولى من القول بأنّ أكثر ما يجري في سلطان اللّه على خلاف إرادته ، وأيضا الإقرار بأنّ اللّه فرد أحد صمد منزّه عن التّركيب والأعضاء أولى من القول بكونه متبعّضا مؤلّفا ، وأيضا القول باستغنائه عن الزّمان والمكان أولى من القول باحتياجه إليهما ، وأيضا القول بأنّ اللّه رحيم كريم قد يعفو عن العقاب أولى من القول بأنّه لا يعفو عنه ألبتّة ، وكلّ هذه الأبواب تدخل تحت قوله :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
فهذا ما يتعلّق باختيار الأحسن في أبواب الاعتقادات .
وأمّا ما يتعلّق بأبواب التّكاليف فهو على قسمين :
منها ما يكون من أبواب العبادات ، ومنها ما يكون من أبواب المعاملات .
فأمّا العبادات فمثل قولنا : الصّلاة الّتي يذكر في تحريمها « اللّه أكبر » وتكون النّيّة فيها مقارنة للتّكبير ، ويقرأ فيها سورة الفاتحة ، ويؤتى فيها بالطّمأنينة في المواقف الخمسة ، ويقرأ فيها التّشهّد ، ويخرج منها بقوله :
السّلام عليكم ، فلا شكّ أنّها أحسن من الصّلاة الّتي لا يراعى فيها شيء من هذه الأحوال ، وتوجب على العاقل أن يختار هذه الصّلاة ، وأن يترك ما سواها ، وكذلك القول في جميع أبواب العبادات .
وأمّا المعاملات فكذلك ، مثل أنّه تعالى شرع القصاص والدّية والعفو ، ولكنّه ندب إلى العفو ، فقال :
وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
البقرة : 237 .
( 26 : 260 )
نحوه باختصار الشّربينيّ . ( 3 : 439 )
النّيسابوريّ : [ نحو المتقدّمين وأضاف : ]
وقال العارفون : يسمعون من النّفس الدّعوة إلى الشّهوات ، ومن الشّيطان قول الباطل والغرور ، ومن الملك الإلهامات ، ومن اللّه ورسوله الدّعاء إلى دار السّلام ، فيقبلون كلام اللّه ورسوله والخواطر الحسنة دون غيرها . ( 33 : 122 )
ابن عربيّ : كالعزائم دون الرّخص ، والواجب دون المندوب ، والقول حقّ في الكلّ لا غير . ( 2 : 376 )
البيضاويّ : وضع فيه الظّاهر موضع الضّمير
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا
الزّمر : 17 ، للدّلالة على مبدأ اجتنابهم وأنّهم نقّاد في الدّين ، يميّزون بين الحقّ والباطل ، ويؤثرون الأفضل فالأفضل . ( 2 : 320 )
مثله الكاشانيّ . ( 4 : 318 )
أبو حيّان : ثناء عليهم بنفوذ بصائرهم وتمييزهم الأحسن ، فإذا سمعوا قولا تبصّروه . [ ثمّ نقل الأقوال السّابقة ] ( 7 : 421 )
ابن كثير : أي يفهمونه ويعملون بما فيه ، كقوله تبارك وتعالى لموسى عليه السّلام حين آتاه التّوراة :
فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها
الأعراف : 145 .
( 6 : 84 )
البروسويّ : [ نقل عدّة أقوال ثمّ قال : ]
ويحتمل أن يكون المعنى : يستمعون القول مطلقا قرآنا كان أو غيره فيتّبعون أحسنه بالإيمان والعمل