ساكتا فهو جائز والجائز حسن ، وإن فعلها مسبّحا فهو أحسن . ونظير هذه الآية قوله عزّ وجلّ لموسى عليه السّلام :
فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها
الأعراف :
145 ، وقوله :
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
الزّمر : 55 . ( 8 : 395 )
ابن عطيّة : كلام عامّ في جميع الأقوال ، وإنّما القصد الثّناء على هؤلاء ببصائر هي لهم وقوام في نظرهم ، حتّى أنّهم إذا سمعوا قولا ميّزوه واتّبعوا أحسنه .
واختلف المفسّرون في العبارة عن هذا . [ ثمّ نقل الأقوال السّابقة وقال : ]
وهذه أمثلة وما قلناه أوّلا يعمّها . ( 4 : 525 )
الطّبرسيّ : أي أولاه بالقبول والعمل به وأرشده إلى الحقّ . [ ثمّ نقل الأقوال السّابقة ] ( 4 : 493 )
مثله شبّر . ( 5 : 308 )
الفخر الرّازيّ : واعلم أنّه تعالى لمّا قال :
لَهُمُ الْبُشْرى
وكان هذا كالمجمل أردفه بكلام يجري مجرى التّفسير والشّرح له ، فقال تعالى :
فَبَشِّرْ . . .
أَحْسَنَهُ
وأراد بعباده : الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، الّذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم . وهذا يدلّ على أنّ رأس السّعادات ومركز الخيرات ومعدن الكرامات هو الإعراض عن غير اللّه تعالى ، والإقبال بالكلّيّة على طاعة اللّه .
والمقصود من هذا اللّفظ التّنبيه على أنّ الّذين اجتنبوا الطّاغوت وأنابوا ، هم الموصوفون بأنّهم هم الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، فوضع الظّاهر موضع المضمر ، تنبيها على هذا الحرف .
ومنهم من قال : إنّه تعالى لما بيّن أنّ الّذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى ، وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلّا الأوّلون ، وقصر السّعادة عليهم يقتضي الحرمان للأكثرين ، وذلك لا يليق بالرّحمة التّامّة ، لا جرم جعل الحكم أعمّ ، فقال : كلّ من اختار الأحسن في كلّ باب كان في زمرة السّعداء .
واعلم أنّ هذه الآية تدلّ على فوائد :
الفائدة الأولى : وجوب النّظر والاستدلال ، وذلك لأنّه تعالى بيّن أنّ الهداية والفلاح مرتبطان بما إذا سمع الإنسان أشياء كثيرة ، فإنّه يختار منها ما هو الأحسن الأصوب . ومن المعلوم أنّ تمييز الأحسن الأصوب عمّا سواه لا يحصل بالسّماع ، لأنّ السّماع صار قدرا مشتركا بين الكلّ ، لأنّ قوله :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ
يدلّ أنّ السّماع قدر مشترك فيه ، فثبت أنّ تمييز الأحسن عمّا سواه لا يتأتّى بالسّماع وإنّما يتأتّى بحجّة العقل ، وهذا يدلّ على أنّ الموجب لاستحقاق المدح والثّناء متابعة حجّة العقل ، وبناء الأمر على النّظر والاستدلال .
الفائدة الثّانية : أنّ الطّريق إلى تصحيح المذاهب والأديان قسمان :
أحدهما : إقامة الحجّة والبيّنة على صحّته على سبيل التّحصيل ؛ وذلك أمر لا يمكن تحصيله إلّا بالخوض في كلّ واحد من المسائل على التّفصيل .
والثّاني : أنّا قبل البحث عن الدّلائل وتقريرها والشّبهات وتزييفها نعرض تلك المذاهب وأضدادها على عقولنا ، فكلّ ما حكم أوّل العقل بأنّه أفضل وأكمل كان أولى بالقبول .