و ( النّاس ) في الثّانية ، كلّ منهما أربع مرّات . وبذلك تكون العلاقة بين السّورتين ظاهرة ، أي شرور النّاس الأربعة تعدّ قبال شرّ واحد للشّيطان بل هي ناشئة منه أيضا ، لاحظ : « الشّرّ ، والفلق ، والنّاس » .
وفي هذه الآية بحوث :
1 - قالوا : الحسد تمنّي زوال نعمة المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها ، والمنافسة أو الغبطة تمنّي مثلها وإن لم تزل عن المحسود ، فالحسد شرّ مذموم ، والمنافسة رغبة مباحة .
وقد يطلق الحسد على الغبطة مجازا وكان شائعا في العرف الأوّل ، وهي تمنّي أن يكون له مثل ما لأخيه من غير تمنّي زوالها عن أخيه .
والحسد خصلة أو رذيلة شيطانيّة ناشئة عن ضعف الإيمان ، وضيق النّظر ، ورسوخ البخل في النّفس ، وهو من الكبائر الّتي تطابق الكتاب والسّنّة على ذمّها . لاحظ نصّ الغزاليّ فقد بسط الكلام فيه ، وذكر له سبعة أسباب ، وكذا نصّ الفخر الرّازيّ ، فقد ذكر الآيات الّتي دلّت على ذمّه ، وسبب كثرته في قوم وقلّته في قوم أخر ، وبسط الكلام في الدّواء المزيل للحسد ، وفي العلاقة بين الحاسد والمحسود .
2 - قالوا في ( إذا حسد ) : إذا ظهر حسده ، وعمل بمقتضاه من بغي الغوائل للمحسود ، لأنّه إذا لم يظهر أثر ما أضمره فلا يعود ضرر منه إلى المحسود ، بل يعود ضرره إلى الحاسد نفسه ، لاغتمامه بسرور غيره ، وإظهاره يكون بالقول والفعل مثل النّظر إلى المحسود غضبا وتوجيه نفسه إليه وإيذائه ونحوها .
قال الطّباطبائيّ : « وإذا تلبّس بالحسد وعمل بما في نفسه من الحسد بترتيب الأثر عليه » .
وقال مغنيّة : « المراد من شرّه : سوء مقاصده وأقواله وأفعاله ، لا نظرات عينيه وإضرارها بالمحسود ، كما قال أكثر المفسّرين » .
وهذا الشّرط في الآية مستفاد من روايات دلّت على عدم خلوّ أيّ إنسان من رشحة حسد ، ولكنّه لا يضّر ما لم يظهره .
3 - لا وجه لما قيل : « إنّ المراد بالحاسد قابيل ، لأنّه حسد أخاه هابيل » مع عموم
حاسِدٍ إِذا حَسَدَ ،
نعم هذا أوّل حسد حدث في الأرض بعد حسد إبليس لآدم في السّماء ، كما جاء في رواية .
4 - أوّلها بعضهم بالنّزاع الحاصل بين قوى البدن والنّفس ، وأنّ الحاسد هو البدن والمحسود هو النّفس ، وأنّ البدن وبال عليها ، فما أحسن حالها عند الإعراض عنه وما أعظم لذّتها بالمفارقة إيّاه ! وهذا تأويل لا تتحمّله الآية . وإن كان للتّأويل باب واسع .
5 - لقد طوّلوا الكلام في تفسير آيات سورة الفلق ، وسبب تنكير بعض ما أضيف إليه الشّرّ وتعريف بعضه ، وفي المناسبة بين هذه الشّرور الأربعة ، لاحظ « شرّ » .
ثانيا : جاءت ( 2 ) بشأن الأعراب الّذين لم يشاركوا النّبيّ في غزوة الحديبيّة ، لكنّهم طلبوا أن يشاركهم النّبيّ في غزوة خيبر من أجل غنائمها ، كما جاء في الآيات 11 - 16 من سورة الفتح
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
- إلى -
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ