وأوان إلى نعم اللّه عليه ، فيتقطّع قلبه بذلك .
ولذلك قيل :
لا مات أعداؤك بل خلّدوا * حتّى يروا منك الّذي يكمد
لا زلت محسودا على نعمة * فإنّما الكامل من يحسد
الثّاني : أنّ النّاس يعلمون أنّ المحسود لا بدّ وأن يكون ذا نعمة ، فيستدلّون بحسد الحاسد على كونه مخصوصا من عند اللّه بأنواع الفضائل والمناقب . وأعظم الفضائل ممّا لا يستطاع دفعه وهو الّذي يورث الحسد ، فصار الحسد من أقوى الدّلائل على اتّصاف المحسود بأنواع الفضائل والمناقب .
الثّالث : أنّ الحاسد يصير مذموما بين الخلق ملعونا عند الخالق ، وهذا من أعظم المقاصد للمحسود .
الرّابع : وهو أنّه سبب لازدياد مسرّة إبليس ؛ وذلك لأنّ الحاسد لمّا خلا عن الفضائل الّتي اختصّ المحسود بها ، فإن رضي بذلك استوجب الثّواب العظيم ، فخاف إبليس من أن يرضى بذلك فيصير مستوجبا لذلك الثّواب ، فلمّا لم يرض به بل أظهر الحسد فاته ذلك الثّواب واستوجب العقاب ، فيصير ذلك سببا لفرح إبليس وغضب اللّه تعالى .
الخامس : أنّك عساك تحسد رجلا من أهل العلم وتحبّ أن يخطئ في دين اللّه وتكشف خطأه ليفتضح ، وتحبّ أن يخرس لسانه حتّى لا يتكلّم ، أو يمرض حتّى لا يعلم ولا يتعلّم . وأيّ إثم يزيد على ذلك ، وأيّ مرتبة أخسّ من هذه .
وقد ظهر من هذه الوجوه أيّها الحاسد أنّك بمثابة من يرمي حجرا إلى عدوّه ليصيب به مقتله فلا يصيبه ، بل يرجع إلى حدقته اليمنى فيقلعها ، فيزداد غضبه ، فيعود ويرميه ثانيا أشدّ من الأوّل فيرجع الحجر على عينه الأخرى فيعميه فيزداد غيظه ، ويعود ثالثا فيعود على رأسه فيشجّه ، وعدوّه سالم في كلّ الأحوال ، والوبال راجع إليه دائما ، وأعداؤه حواليه يفرحون به ويضحكون عليه ، بل حال الحاسد أقبح من هذا ، لأنّ الحجر العائد لم يفوّت إلّا العين ، ولو بقيت لفاتت بالموت .
وأمّا حسده فإنّه يسوق إلى غضب اللّه وإلى النّار ، فلأن تذهب عينه في الدّنيا خير له من أن يبقى له عين ويدخل بها النّار .
فانظر كيف انتقم اللّه من الحاسد إذا أراد زوال النّعمة عن المحسود ، فما أزالها عنه ثمّ أزال نعمة الحاسد تصديقا لقوله تعالى :
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
فاطر : 43 .
فهذه الأدوية العلميّة ، فمهما تفكّر الإنسان فيها بذهن صاف وقلب حاضر انطفأ من قلبه نار الحسد .
وأمّا العمل النّافع فهو أن يأتي بالأفعال المضادّة لمقتضيات الحسد ، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلّف لسانه المدح له ، وإن حمله على التّكبّر عليه كلّف نفسه التّواضع له ، وإن حمله على قطع أسباب الخير عنه كلّف نفسه السّعي في إيصال الخيرات إليه . فمهما عرف المحسود ذلك طاب قلبه وأحبّ الحاسد ، وذلك يفضي آخر الأمر إلى زوال الحسد من وجهين :
الأوّل : أنّ المحسود إذا أحبّ الحاسد فعل ما يحبّه