1 - قالوا في معنى ( بغير حساب ) : بغير حزم وتكلّف ، كثيرا بغير مقدار ، لا يتناهى ، فيصير محسوبا ، لا يدخله الحساب من كثرته ، ولا يخرجه بحساب يخاف أن ينقص ما عنده ، أو يضبط بالعدد ، بغير محاسبة العمل ، أي لا يرزق المؤمن على قدر إيمانه ، والكافر على قدر كفره ، فلا يحاسب الرّزق في الدّنيا على قدر العمل ، كما يحاسب الأجر بحسبه في الآخرة ، مع ما يتفضّل به فوق العمل ، غير خائف نفاد خزائنه ، ولا انتقاص شيء من ملكه ، بغير أمد محدود بل رزقه جار إلى الأبد ، لا يحاسب اللّه فيما يرزق ، فلا يقال له : لما أعطيت هذا وحرمت هذا ، أو لم أعطيت هذا أكثر ممّا أعطيت ذاك ، لأنّه لا شريك له يحاسبه ولا قسيم له ينازعه ، أو يؤاخذه .
وقد جمع الطّوسيّ كلّها في خمسة أقوال ، والرّاغب في ثمانية وجوه ، فلاحظ .
2 - وهنا سؤالان :
أحدهما للطّبريّ : وهو أنّه أيّ شيء فيه من المدح ؟
وأجاب بما سبق من أنّه غير خائف نفاد خزائنه ، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منها ؛ إذ الحساب منه لئلّا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به .
وثانيهما للماورديّ : وهو كيف قال : ( بغير حساب ) ، وقد قال ( 51 ) : ( عطاء حسابا ) ؟ وأجاب بما سبق من الوجوه .
ونقول : وقال أيضا :
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ
الرّعد : 8 ، وهذا يعمّ الرّزق في الدّنيا والأجر في الآخرة ؟
والجواب عندنا عن الأولى : بأنّها راجعة إلى أجر الآخرة - كما سبق - لا إلى الرّزق في الدّنيا . وعن الثّانية :
بأنّ كلّ شيء عنده في نفس الأمر بمقدار لا يعزب عن علمه ، وهذا لا ينافي ما سبق في معنى ( بغير حساب ) من الوجوه .
3 - إنّ ما سبق من الوجوه في معنى ( بغير حساب ) قسمان : قسم يرجع الحساب فيه إلى النّاس : مثل أنّه يرزقهم لا بحسب عملهم ، وقسم يرجع إلى اللّه مثل أنّه لا يحاسبه أحد ، أو لا يخاف من نفاد ما عنده ، أو لا يحتاج إلى ضبط أو تفكير أو حزم وتكلّف . فلاحظ .
و - وبلفظ ( سوء الحساب ) مرّتين متواليتين في سورة واحدة « الرّعد » :
إحداهما : مدح للمؤمنين الّذين يخافون سوء الحساب .
وثانيتهما : إدانة للّذين لم يستجيبوا لربّهم :
( 77 ) :
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ .
( 78 ) :
لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ .
ومعلوم أنّ ( سوء الحساب ) لا تعني أنّ اللّه يسيء بهم في الحساب ، بل أنّ حسابه ينتهي إلى ما يسيئهم جزاء لعملهم .
ز - وجاء بلفظ ( يوم الحساب ) 5 مرّات ، والمراد به يوم القيامة :
اثنتان منها ( 79 و 80 ) دعاء : إحداهما حكاية عن خليل اللّه إبراهيم ، والأخرى عن أعداء اللّه : قوم نوح