بمكانهما ، فجزع من ذلك ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
« لا تحزن لأنّ اللّه معنا ، واللّه ناصرنا ، فلم يعلم المشركون بنا ، ولن يصلوا إلينا » .
يقول جلّ ثناؤه : فقد نصره اللّه على عدوّه ، وهو بهذه الحال من الخوف ، وقلّة العدد ، فكيف يخذله ، ويحوجه إليكم ، وقد كثّر اللّه أنصاره ، وعدد جنوده . ( 10 : 136 )
نحوه الخازن ( 3 : 77 )
الماورديّ : احتمل قوله ذلك له وجهين :
أحدهما : أن يكون تبشيرا لأبي بكر بالنّصر من غير أن يظهر منه حزن .
والثّاني : أن يكون قد ظهر منه حزن فقال له ذلك تخفيفا وتسلية . وليس الحزن خوفا وإنّما هو تألّم القلب بما تخيّله من ضعف الدّين بعد الرّسول ، فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم :
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
أي ناصرنا على أعدائنا .
( 2 : 364 )
الطّوسيّ : أي لا تخف ، ولا تجزع إنّ اللّه معنا ، أي ينصرنا . والنّصرة على ضربين :
أحدهما : يكون نعمة على من ينصره . والآخر :
لا يكون كذلك ، فنصرة المؤمنين تكون إحسانا من النّاصر إلى نفسه ، لأنّ ذلك طاعة للّه ، ولم تكن نعمة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله .
الثّاني : من ينصر غيره لينفعه بما تدعو إليه الحكمة ، كان ذلك نعمة عليه ، مثل نصرة اللّه لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله . [ إلى أن قال : ]
وقوله : ( لا تحزن ) إن لم يكن ذمّا فليس بمدح ، بل هو نهي محض عن الخوف . ( 5 : 257 )
القشيريّ : وإنّما كان حزن الصّدّيق ذلك اليوم لأجل الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم إشفاقا عليه لا لأجل نفسه ، ثمّ إنّه عليه السّلام نفي حزنه وسلّاه بأن قال :
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
وحزن لا يذهب إلّا لمعيّة الحقّ لا يكون إلّا ( لحقّ الحقّ ) .
( 3 : 28 )
ابن العربيّ : قالت الإماميّة : حزن أبي بكر في الغار مع كونه مع النّبيّ دليل على جهله ونقصه ، وضعف قلبه وحيرته .
أجاب على ذلك علماؤنا بثلاثة أجوبة :
الأوّل : أنّ قوله : ( لا تحزن ) ليس بموجب بظاهره وجود الحزن ، إنّما يقتضي منعه منه في المستقبل ، فلعلّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال له ذلك زيادة في طمأنينة قلبه ، فإنّ الصّدّيق قال للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا ، فقال له :
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
لتطمئنّ نفسه .
الثّاني : أنّ الصّدّيق لا ينقصه إضافة الحزن إليه ، كما لم تنقص إبراهيم حين قيل عنه :
نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً
هود : 70 ، ولم ينقص موسى قوله عنه :
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
طه : 17 ، وهذان العظيمان قد وجدت عندهم التّقيّة نصّا ، وإنّما هي عند الصّدّيق هاهنا باحتمال .
الثّالث : أنّ حزن الصّدّيق رضى اللّه عنه لم يكن لشكّ وحيرة ، وإنّما كان خوفا على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصل إليه ضرر ، ولم يكن النّبيّ في ذلك الوقت معصوما من الضّرر ، فكيف يكون الصّدّيق رضى اللّه عنه ضعيف القلب ، وهو لم