في دار الكرامة والرّضوان . ( 3 : 158 )
ابن عاشور : أي لا خوف عليهم من عقوبة اللّه في الدّنيا والآخرة ، ولا هم يحزنون من شيء من ذلك ، فالخوف والحزن المنفيّان هما ما يوجبه العقاب ، وقد ينتفي عنهم الخوف والحزن مطلقا بمقدار قوّة التّقوى والصّلاح ، وهذا من الأسرار الّتي بين اللّه وعباده الصّالحين ، ومثله قوله تعالى :
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ . . .
يونس : 62 .
وقد نفي الخوف نفي الجنس بلا النّافية له ، وجيء باسمها مرفوعا لأنّ الرّفع يساوي البناء على الفتح في مثل هذا ، لأنّ الخوف من الأجناس المعنويّة الّتي لا يتوهّم في نفيها أن يكون المراد نفي الفرد الواحد ، ولو فتح مثله لصحّ ، ومنه قول الرّابعة من نساء حديث أمّ زرع :
« زوجي كليل تهامه ، لا حرّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سئامه » فقد روي بالرّفع وبالفتح .
و ( على ) في قوله :
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
للاستعلاء المجازيّ ، وهو المقارنة والملازمة ، أي لا خوف ينالهم .
وقوله :
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
جملة عطفت على جملة
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ،
وعدل عن عطف المفرد ، بأن يقال : ولا حزن ، إلى الجملة : ليتأتّى بذلك بناء المسند الفعليّ على ضميرهم ، فيدلّ على أنّ الحزن واقع بغيرهم ، وهم الّذين كفروا . فإنّ بناء الخبر الفعليّ على المسند عليه المتقدّم عليه يفيد تخصيص المسند إليه بذلك الخبر ، نحو : ما أنا قلت هذا ، فإنّه نفي صدور القول من المتكلّم مع كون القول واقعا من غيره .
وعليه بيت « دلائل الإعجاز » ، ( وهو للمتنبّيّ ) :
وما أنا أسقمت جسمي به * ولا أنا أضرمت في القلب نارا
فيفيد أنّ الّذين كفروا يحزنون إفادة بطريق المفهوم ، ليكون كالمتقدّمة للخبر عنهم بعد ذلك بأنّهم أصحاب النّار هم فيها خالدون . ( 8 : 84 )
فضل اللّه :
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
من عذاب اللّه في جهنّم ، لأنّ اللّه قد أعطى المؤمنين الصّالحين الأمن من كلّ خوف .
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
في ما يواجه النّاس من أهوال يوم القيامة ، فإنّ اللّه قد منحهم الفرح الكبير في ما يستقبلهم من لطفه ومغفرته ورضوانه في جنّات النّعيم .
( 10 : 110 )
وجاءت بهذا المعنى آيات : البقرة : 112 ، و 262 ، و 274 ، و 277 ، آل عمران : 170 ، الأنعام : 48 ، يونس :
62 ، الأحقاف : 13 ، العنكبوت : 33 ، فصّلت : 30 ، الزّخرف : 68 .
لا تحزن
. . . إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا . . .
التّوبة : 40
ابن عبّاس :
لا تَحْزَنْ
يا أبا بكر
إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
معيننا . ( 158 )
الحسين بن الفضل : لم يكن حزن أبي بكر جبنا منه وإنّما كان إشفاقا على رسول اللّه . وقال : إن أقتل فأنا رجل واحد ، وإن قتلت هلكت الأمّة . ( البغويّ 2 : 349 )
الطّبريّ : إذ يقول رسول اللّه لصاحبه أبي بكر :
( لا تحزن ) وذلك أنّه خاف من الطّلّب أن يعلموا