تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
وبالجملة يظهر من ذلك أنّها كانت شبهة تلقيها اليهود لا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بل على المؤمنين ، في ضمن ما كانوا يتلاقون ويتحاورون . وحاصلها : أنّه كيف يكون النّبيّ صادقا وهو يخبر بالنّسخ ، وأنّ اللّه إنّما حرّم الطّيّبات على بني إسرائيل لظلمهم ، وهذا نسخ لحلّ سابق لا يجوز على اللّه سبحانه ، بل المحرّمات محرّمة دائما من غير إمكان بتغيير لحكم اللّه ؟ ! وحاصل الجواب من النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بتعليم من اللّه تعالى : أنّ التّوراة ناطقة بكون كلّ الطّعام حلّا قبل نزولها فأتوا بالتّوراة واتلوها إن كنتم صادقين في قولكم ، وهو قوله تعالى :
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ
إلى قوله :
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ .
فإن أبيتم الإتيان بالتّوراة وتلاوتها فاعترفوا بأنّكم المفترون على اللّه الكذب وأنّكم الظّالمون ؛ وذلك قوله تعالى :
( فَمَنِ افْتَرى )
إلى قوله : ( ظالمون ) . وقد تبيّن بذلك أنّي صادق في دعوتي ، فاتّبعوا ملّتي وهي ملّة إبراهيم حنيفا ، وذلك قوله تعالى :
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ . . .
وللمفسّرين في توضيح معنى الآية بيانات مختلفة ، لكنّهم على أيّ حال ذكروا أنّ الآية متعرّضة لبيان شبهة أوردتها اليهود ، مرتبطة بالنّسخ كما مرّ . وأعجب ما قيل في المقام ما ذكره بعضهم : أنّ الآية متعرّضة لجواب شبهة أوردتها اليهود في النّسخ ، وتقريرها : أنّ اليهود كأنّها قالت : إذا كنت يا محمّد على ملّة إبراهيم والنّبيّين بعده - كما تدّعي - فكيف تستحلّ ما كان محرّما عليه وعليهم كلحم الإبل ؟ أما وقد استبحت ما كان محرّما عليهم ، فلا ينبغي لك أن تدّعي أنّك مصدّق لهم ، وموافق في الدّين ، ولا أن تخصّ إبراهيم بالذّكر ، فتقول : إنّي أولى به . ومحصّل الجواب : أنّ كلّ الطّعام كان حلّا لعامّة النّاس ، ومنهم بنو إسرائيل . لكن بني إسرائيل حرّموا أشياء على أنفسهم بما ارتكبوا من المعاصي والسّيّئات ، كما قال تعالى :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ . . .
النّساء : 160 ، فالمراد ب ( إسرائيل ) شعب إسرائيل ، كما هو مستعمل عندهم ، لا يعقوب وحده ، ومعنى تحريمهم ذلك على أنفسهم : أنّهم ارتكبوا الظّلم واجترحوا السّيّئات ، فكانت سببا للتّحريم ، وقوله :
مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ
متعلّق بقوله :
حَرَّمَ إِسْرائِيلُ
ولو كان المراد بقوله : ( اسراييل ) هو يعقوب نفسه ، لكان قوله :
مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ
لغوا زائدا من الكلام ، لبداهة أنّ يعقوب كان قبل التّوراة زمانا ، فلا وجه لذكره . هذا محصّل ما ذكره ، وذكر بعض آخر نظير ما ذكره إلّا أنّه قال : إنّ المراد من تحريم بني إسرائيل على أنفسهم : تحريمهم ذلك تشريعا من عند أنفسهم من غير أن يستند إلى وحي من اللّه سبحانه إلى بعض أنبيائهم ، كما كانت عرب الجاهليّة تفعل ذلك ، على ما قصّه اللّه تعالى في كتابه . وقد ارتكبا جميعا من التّكلّف ما لا يرتضيه ذو خبرة ، فأخرجا الكلام من مجراه ، وعمدة ما حملهما على ذلك حملهما قوله تعالى :
مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ
على أنّه متعلّق بقوله :
حَرَّمَ إِسْرائِيلُ
مع كونه متعلّقا