وتقول الرّوايات إنّه مرض مرضا شديدا ، فنذر للّه لئن عافاه ليمتنعنّ - تطوّعا - عن لحوم الإبل وألبانها ، وكانت أحبّ شيء إلى نفسه ، فقبل اللّه منه نذره .
وجرت سنّة بني إسرائيل على اتّباع أبيهم في تحريم ما حرّم ، كذلك حرّم اللّه على بني إسرائيل مطاعم أخرى عقوبة لهم على معصيات ارتكبوها . وأشير إلى هذه المحرّمات في آية الأنعام
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ . . .
الأنعام : 146 ، وكانت قبل هذا التّحريم حلالا لبني إسرائيل .
يردّهم اللّه سبحانه إلى هذه الحقيقة ، ليبيّن أنّ الأصل في هذه المطاعم هو الحلّ ، وأنّها إنّما حرّمت عليهم لملابسات خاصّة بهم . فإذا أحلّها للمسلمين فهذا هو الأصل الّذي لا يثير الاعتراض ، ولا الشّكّ في صحّة هذا القرآن ، وهذه الشّريعة الإلهيّة الأخيرة .
ويتحدّاهم أن يرجعوا إلى التّوراة ، وأن يأتوا بها ليقرأوها ، وسيجدون فيها أنّ أسباب التّحريم خاصّة بهم ، وليست عامّة . ( 1 : 433 )
الطّباطبائيّ : وقوله :
إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ
استثناء من الطّعام المذكور آنفا ، وقوله :
مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ
متعلّق ب ( كان ) في الجملة الأولى ، والمعنى لم يحرّم اللّه قبل نزول التّوراة شيئا من الطّعام على بني إسرائيل إلّا ما حرّم إسرائيل على نفسه .
وفي قوله تعالى :
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
دلالة على أنّهم كانوا ينكرون ذلك ، أعني حلّيّة كلّ الطّعام عليهم قبل التّوراة ، ويدلّ عليه أنّهم كانوا ينكرون النّسخ في الشّرائع ويحيلون ذلك - كما مرّ ذكره في ذيل قوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها . . .
البقرة : 106 - فهم كانوا ينكرون بالطّبع قوله تعالى :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
النّساء : 160 .
وكذا يدلّ قوله تعالى بعد :
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
آل عمران : 95 ، أنّهم كانوا يجعلون ما ينكرونه من حلّيّة كلّ الطّعام عليهم قبل التّوراة ، وكون التّحريم إنّما نزل عليهم لظلمهم بنسخ الحلّ بالحرمة وسيلة إلى إلقاء الشّبهة على المسلمين ، والاعتراض على ما كان يخبر به رسول اللّه عليه السّلام عن ربّه أنّ دينه هو ملّة إبراهيم الحنيف ، وهي ملّة فطريّة لا إفراط فيها ولا تفريط ، كيف ؟ وهم كانوا يقولون : إنّ إبراهيم كان يهوديّا على شريعة التّوراة ، فكيف يمكن أن تشتمل ملّته على حلّيّة ما حرّمتها التّوراة ، والنّسخ غير جائز ؟
فقد تبيّن أنّ الآية إنّما تتعرّض لدفع شبهة أوردتها اليهود ، ويظهر من عدم تعرّض الآية لنقل الشّبهة عنهم ، كما يجري عليه القرآن في غالب الموارد ، كقوله تعالى :
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
المائدة : 64 ، وقوله :
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً
البقرة ، 80 ، وقوله :
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ
البقرة : 88 ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة .
وكذا قوله تعالى بعد عدّة آيات :
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ
إلى أن قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ
الآيات ، آل عمران 99 ، 100 .