الأوّل : قوله تعالى :
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
الحشر : 2 ، ولا شكّ أن الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام رؤساء أولي الأبصار .
الثّاني : قال :
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
النّساء : 83 ، مدح المستنبطين ، والأنبياء أولى بهذا المدح .
والثّالث : قال تعالى لمحمّد عليه الصّلاة والسّلام
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
التّوبة : 43 ، فلو كان ذلك الإذن بالنّصّ ، لم يقل :
لِمَ أَذِنْتَ
فدلّ على أنّه كان بالاجتهاد .
الرّابع : أنّه لا طاعة إلّا وللأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فيها أعظم نصيب ، ولا شكّ أنّ استنباط أحكام اللّه تعالى بطريق الاجتهاد طاعة عظيمة شاقّة ، فوجب أن يكون للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فيها نصيب ، لا سيّما ومعارفهم أكثر وعقولهم أنور وأذهانهم أصفى وتوفيق اللّه وتسديده معهم أكثر ، ثمّ إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمّة مخالفتهم في ذلك الحكم ، كما أنّ الإجماع إذا انعقد على الاجتهاد ، فإنّه يحرم مخالفته .
والأظهر الأقوى أنّ إسرائيل صلوات اللّه عليه ، إنّما حرّم ذلك على نفسه بسبب الاجتهاد ؛ إذ لو كان ذلك بالنّصّ ، لقال : إلّا ما حرّم اللّه على إسرائيل . فلمّا أضاف التّحريم إلى إسرائيل ، دلّ هذا على أنّ ذلك كان بالاجتهاد ، وهو كما يقال : الشّافعيّ يحلّل لحم الخيل ، وأبو حنيفة يحرّمه ، بمعنى أنّ اجتهاده أدّى إليه ، فكذا هاهنا .
الثّالث : يحتمل أنّ التّحريم في شرعه ، كالنّذر في شرعنا ، فكما يجب علينا الوفاء بالنّذر ، كان يجب في شرعه الوفاء بالتّحريم .
الرّابع : قال الأصمّ : لعلّ نفسه كانت مائلة إلى أكل تلك الأنواع ، فامتنع من أكلها قهرا للنّفس وطلبا لمرضاة اللّه تعالى ، كما يفعله كثير من الزّهّاد ، فعبّر عن ذلك الامتناع بالتّحريم .
الخامس : قال قوم من المتكلّمين : إنّه يجوز من اللّه تعالى أن يقول لعبده : احكم فإنّك لا تحكم إلّا بالصّواب .
فلعلّ هذه الواقعة كانت من هذا الباب ، وللمتكلّمين في هذه المسألة منازعات كثيرة ، ذكرناها في أصول الفقه .
ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ الّذي حرّمه إسرائيل على نفسه فقد حرّمه اللّه على بني إسرائيل ؛ وذلك لأنّه تعالى قال :
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ
فحكم بحلّ كلّ أنواع المطعومات لبني إسرائيل ، ثمّ استثنى عنه ما حرّمه إسرائيل على نفسه ، فوجب بحكم الاستثناء أن يكون ذلك حراما على بني إسرائيل ، واللّه أعلم .
( 8 : 148 )
نحوه ملخّصا القرطبيّ . ( 4 : 135 )
أبو حيّان : [ نحو ابن عطيّة إلّا أنّه قال : ]
وهذا الاستثناء يحتمل الاتّصال والانقطاع ، فإن كان متّصلا كان التّقدير : إلّا ما حرّم إسرائيل على نفسه فحرّم عليهم في التّوراة ، فليست فيها الزّوائد الّتي افتروها وادّعوا تحريمها . وإن كان منقطعا كان التّقدير :
لكنّ إسرائيل حرّم ذلك على نفسه خاصّة ولم يحرّمه اللّه