فتأويل الآية على هذا القول : كلّ الطّعام كان حلّا لبني إسرائيل ، إلّا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزّل التّوراة ، فإنّ اللّه حرّم عليهم من ذلك ، ما كان إسرائيل حرّمه على نفسه في التّوراة ببغيهم على أنفسهم ، وظلمهم لها . قل يا محمّد : فأتوا أيّها اليهود إن أنكرتم ذلك بالتّوراة ، فاتلوها إن كنتم صادقين ، إنّ اللّه لم يحرّم ذلك عليكم في التّوراة ، وإنّكم إنّما تحرّمونه لتحريم إسرائيل إيّاه على نفسه .
وقال آخرون : ما كان شيء من ذلك عليهم حراما ، ولا حرّمه اللّه عليهم في التّوراة ، وإنّما هو شيء حرّموه على أنفسهم ، اتّباعا لأبيهم ، ثمّ أضافوا تحريمه إلى اللّه ، فكذّبهم اللّه عزّ وجلّ في إضافتهم ذلك إليه ، فقال اللّه عزّ وجلّ لنبيّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم : قل لهم يا محمّد : إن كنتم صادقين ، فأتوا بالتّوراة فاتلوها حتّى ننظر هل ذلك فيها ، أم لا ؟ ليتبيّن كذبهم لمن يجهل أمرهم . [ ثمّ ذكر قول الضّحّاك وقال : ]
وتأويل الآية على هذا القول : كلّ الطّعام كان حلّا لبني إسرائيل من قبل أن تنزّل التّوراة وبعد نزولها ، إلّا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزّل التّوراة ، بمعنى : لكن إسرائيل حرّم على نفسه من قبل أن تنزّل التّوراة بعض ذلك ، وكأنّ الضّحّاك وجّه قوله : ( الّا ما حرّم . . . ) إلخ إلى الاستثناء الّذي تسمّيه النّحويّون :
الاستثناء المنقطع . [ إلى أن قال : ]
وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصّواب ، قول من قال : معنى ذلك : كلّ الطّعام كان حلّا لبني إسرائيل من قبل أن تنزّل التّوراة ، إلّا ما حرّم إسرائيل على نفسه ، من غير تحريم اللّه ذلك عليه ، فإنّه كان حراما عليهم بتحريم أبيهم إسرائيل ذلك عليهم ، من غير أن يحرّمه اللّه عليهم في تنزيل ، ولا بوحي قبل التّوراة ، حتّى نزلت التّوراة ، فحرّم اللّه عليهم فيها ما شاء ، وأحلّ لهم فيها ما أحبّ .
وهذا قول قالته جماعة من أهل التّأويل ، وهو معنى قول ابن عبّاس الّذي ذكرناه قبل . ( 4 : 1 )
واختلف أهل التّأويل في الّذي كان إسرائيل حرّمه على نفسه ، فقال بعضهم : كان الّذي حرّمه إسرائيل على نفسه العروق .
وقال آخرون : بل الّذي كان إسرائيل حرّم على نفسه : لحوم الإبل وألبانها .
وأولى هذه الأقوال بالصّواب ، قول ابن عبّاس الّذي رواه الأعمش ، عن حبيب ، عن سعيد ، عنه : أنّ ذلك العروق ولحوم الإبل ، لأنّ اليهود مجمعة إلى اليوم على ذلك من تحريمهما ، كما كان عليه من ذلك أوائلها .
( 4 : 3 )
الماورديّ : واختلفوا في تحريم إسرائيل على نفسه ، هل كان بإذن اللّه تعالى أم لا ؟ على اختلافهم في اجتهاد الأنبياء على قولين :
أحدهما : لم يكن إلّا بإذنه ، وهو قول من زعم أن ليس لنبيّ أن يجتهد .
والثّاني : باجتهاده من غير إذن ، وهو قول من زعم أنّ للنّبيّ أن يجتهد .
واختلفوا في تحريم اليهود ذلك على أنفسهم على قولين :
أحدهما : أنّهم حرّموه على أنفسهم اتّباعا لإسرائيل .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 581
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٥٨١