ورابعها : كأنّه تعالى قال : يا محمّد إنّ غرضك من هذا التّعجيل أن تحفظه وتبلّغه إليهم لكن لا حاجة إلى هذا ، فإنّ الإنسان على نفسه بصيرة ، وهم بقلوبهم يعلمون أنّ الّذي هم عليه من الكفر وعبادة الأوثان ، وإنكار البعث منكر باطل ، فإذا كان غرضك من هذا التّعجيل أن تعرّفهم قبح ما هم عليه ، ثمّ إنّ هذه المعرفة حاصلة عندهم ، فحينئذ لم يبق لهذا التّعجيل فائدة ، فلا جرم قال :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ .
وخامسها : أنّه تعالى حكى عن الكافر أنّه يقول :
أين المفرّ ؟ ثمّ قال تعالى :
كَلَّا لا وَزَرَ * إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
القيمة : 11 ، 12 ، فقيل لمحمّد إنّك في طلب حفظ القرآن ، تستعين بالتّكرار ، وهذا استعانة منك بغير اللّه ، فاترك هذه الطّريقة ، واستعن في هذا الأمر باللّه ، فكأنّه قيل : إنّ الكافر يفرّ من اللّه إلى غيره ، وأمّا أنت فكن كالمضادّ له ، فيجب أن تفرّ من غير اللّه إلى اللّه ، وأن تستعين في كلّ الأمور باللّه ، حتّى يحصل لك المقصود على ما قال :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ،
وقال في سورة أخرى :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ * وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
طه : 114 ، 115 ، أي لا تستعن في طلب الحفظ بالتّكرار بل اطلبه من اللّه تعالى .
وسادسها : ما ذكره القفّال ، وهو أنّ قوله :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
ليس خطابا مع الرّسول عليه السّلام بل هو خطاب مع الإنسان المذكور في قوله :
يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
القيمة : 13 ، فكان ذلك للإنسان حال ما ينبّأ بقبائح أفعاله ؛ وذلك بأن يعرض عليه كتابه ، فيقال له :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
الإسراء : 14 ، فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدّة الخوف وسرعة القراءة ، فيقال له : لا تحرّك به لسانك لتعجل به ، فإنّه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك ، فإذا قرأناه عليك فاتّبع قرآنه بالإقرار بأنّك فعلت تلك الأفعال ، ثمّ إنّ علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته .
وحاصل الأمر من تفسير هذه الآية أنّ المراد منه :
أنّه تعالى يقرأ على الكافر جميع أعماله على سبيل التّفصيل ، وفيه أشدّ الوعيد في الدّنيا وأشدّ التّهويل في الآخرة . ثمّ قال القفّال : فهذا وجه حسن ليس في العقل ما يدفعه ، وإن كانت الآثار غير واردة به . ( 30 : 222 )
البروسويّ : في
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
إلخ ، تعليم وتأديب : أمّا التّعليم فما أشير إليه من باب أنّ جهة الوحدة مسدود على أكثر النّاس فلا يفهمون عن اللّه إلّا من الجهة المناسبة لحالهم ، وهي جهة الوسائط والكثرة الإمكانيّة .
وأمّا التّأديب فإنّه لمّا كان الآتي بالوحي من اللّه جبريل ، فمتى بودر بذكر ما أتى به كان كالتّعجيل له وإظهار الاستغناء عنه ، وهذا خلل في الأدب بلا شكّ سيّما مع المعلّم المرشد .
ومن هذا التّقرير عرف أنّ قوله تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ
إلخ ، واقع في البين بطريق الاستطراد ، فإنّه لمّا كان من شأنه عليه السّلام الاستعجال عند نزول كلّ وحي على ما سبق من الوجه ، ولم ينه عنه إلى أن أوحي إليه هذه السّورة من أوّلها إلى قوله :
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
القيمة : 15 ، وعجل في ذلك كسائر المرّات نهي عنه