حديثه ويعترض ، ويقول : لا تعجل بكلامي وأنصت لتفقه ما أقول لك ، ثمّ يمضي في حديثه .
فقوله :
لا تُحَرِّكْ . . .
الخطاب فيه للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وآله ، والضّميران للقرآن الّذي يوحى إليه أو للوحي ، والمعنى لا تحرّك بالوحي لسانك لتأخذه عاجلا ، فتسبقنا إلى قراءة ما لم نقرأ بعد ، فهو كما مرّ في معنى قوله :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ . . .
( 20 : 109 )
المصطفويّ : والتّعبير بحركة اللّسان فإنّها أوّل مرتبة من النّطق ، فهذا غاية تأكيد في النّطق باللّسان والنّهي عنه ، أي لا تبتدئ بقراءة القرآن بحركة لسانك .
( 2 : 216 )
مكارم الشّيرازيّ : وردت هذه الآيات في الحقيقة بمثابة الجملة الاعتراضيّة الّتي تتداخل أحيانا في حديث المتحدّث ، كمن يكون مشغولا بالخطابة في مجلس ما والنّاس مجتمعون في آخر المجلس ، والحال أنّ صدر المجلس خال فيقطع حديثه مؤقّتا ، ويدعو الحاضرين للتّقدّم لينفتح الطّريق للقادمين ، ثمّ يستأنف حديثه مجدّدا ، أو كالأستاذ الّذي يقطع حديثه لينبّه طالبا ، وبعد ذلك يكمل حديثه .
وإذا ما سمع شخص ما حديث الأستاذ عن طريق شريط كاسيت فيرى إشكالا في استمراريّة الحديث ، ويتعجّب لما يرى من عدم التّرابط بين الجمل ، ولكن التّمعّن في شرائط المجلس الخاصّة يتّضح فلسفة هذه الجمل المعترضة .
بعد هذه المقدّمة البسيطة نتّجه إلى تفسير الآيات الّتي يراد بحثها ، يترك اللّه تعالى الحديث عن القيامة وأحوال المؤمنين والكفرة مؤقّتا ، ليعطي تذكرة مختصرة للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله حول القرآن ، فيقول :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ .
لهذه الآية أقوال متعدّدة للمفسّرين ، وعلى المجموع ذكرت لها ثلاثة تفاسير :
الأوّل : هو التّفسير المشهور الّذي نقل عن ابن عبّاس عن كتب الحديث ، وهو أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله كان إذا نزل عليه الوحي ليقرأ عليه القرآن ، تعجّل بقراءته ليحفظه ؛ وذلك لحبّه الشّديد للقرآن ، فنهاه اللّه عن ذلك وقال :
إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
.
الثّاني : نعلم أنّ للقرآن نزولين : هما نزول دفعيّ ، أي نزوله بتمامه على قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في ليلة القدر ، ونزول تدريجيّ والّذي كان أمده 23 عاما ، وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله يعجل في إبلاغ الرّسالة أحيانا قبل النّزول التّدريجيّ للآيات أو قراءة ما يرافق تلك الآيات ، فنهاه اللّه عن ذلك . وأمره أن يبلّغ ويتلو ما ينزل عليه في حينه ، وعلى هذا يكون مضمون هذه الآية كالآية :
114 ، من سورة طه :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ .
وليس في القولين اختلاف واسع ، ويكون المعنى :
لا ينبغي للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أن يعجل في استلام الوحي .
الثّالث : وهو ما لم يتّفق عليه الكثير ، وهو أنّ المخاطبين في هذه الآيات هم المذنبون ؛ وذلك في يوم القيامة حيث يؤمرون بمحاسبة أنفسهم وذكر أعمالهم ، ويقال لهم : لا تعجلوا في ذلك . ومن الطّبيعيّ أنّهم سوف يتضجّرون عند ذكرهم لسيّئاتهم ، ويمرّون عليها باستعجال ، فيؤمرون بالتّأنّي في قراءتها واتّباع الملائكة