الطّوسيّ : وفي ذلك دلالة على أنّ جميع ما تقدّم حكاية ما قال إبراهيم لقومه ، أنّهم لمّا عجزوا عن جوابه بحجّة ، عدلوا إلى أن قالوا :
اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ .
وفي الكلام حذف ، وتقديره : إنّهم أوقدوا نارا وطرحوه فيها .
( 8 : 199 )
نحوه ابن عطيّة . ( 4 : 312 )
الطّبرسيّ : وفي هذا تسفيه لهم ؛ إذ قالوا حين انقطعت حجّتهم : لا تحاجّوه ، ولكن اقتلوه أو حرّقوه ، ليتخلّصوا منه . ( 4 : 279 )
الفخر الرّازيّ : لمّا أتى إبراهيم عليه السّلام ببيان الأصول الثّلاثة وأقام البرهان عليه ، بقي الأمر من جانبهم : إمّا الإجابة أو الإتيان بما يصلح أن يكون جوابه ، فلم يأتوا إلّا بقولهم :
اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ .
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : كيف سمّي قولهم : ( اقتلوه ) جوابا مع أنّه ليس بجواب ؟
فنقول : الجواب عنه من وجهين :
أحدهما : أنّه خرج منهم مخرج كلام المتكبّر ، كما يقول الملك لرسول خصمه : جوابكم السّيف ، مع أنّ السّيف ليس بجواب ، وإنّما معناه لا أقابله بالجواب ، وإنّما أقابله بالسّيف ، فكذلك قالوا : لا تجيبوا عن براهينه واقتلوه أو حرّقوه .
الثّاني : هو أنّ اللّه أراد بيان ضلالتهم ، وهو أنّهم ذكروا في معرض الجواب هذا مع أنّه ليس بجواب ، فتبيّن أنّهم لم يكن لهم جواب أصلا ؛ وذلك لأنّ من لا يجيب غيره ويسكت ، لا يعلم أنّه لا يقدر على الجواب ، لجواز أن يكون سكوته لعدم الالتفات ، أمّا إذا أجاب بجواب فاسد ، علم أنّه قصد الجواب وما قدر عليه .
المسألة الثّانية : القائلون الّذين قالوا : ( اقتلوه ) هم قومه ، والمأمورون بقولهم : ( اقتلوه ) أيضا هم ، فيكون الآمر نفس المأمور ؟
فنقول الجواب عنه من وجهين :
أحدهما : أنّ كلّ واحد منهم قال لمن عداه : ( اقتلوه ) ، فحصل الأمر من كلّ واحد ، وصار المأمور كلّ واحد ولا اتّحاد ، لأنّ كلّ واحد أمر غيره .
وثانيهما : هو أنّ الجواب لا يكون إلّا من الأكابر والرّؤساء ، فإذا قال أعيان بلد كلاما يقال : اتّفق أهل البلدة على هذا ، ولا يلتفت إلى عدم قول العبيد والأرذال . فكان جواب قومه وهم الرّؤساء أن قالوا لأتباعهم وأعوانهم : ( اقتلوه ) ، لأنّ الجواب لا يباشره إلّا الأكابر ، والقتل لا يباشره إلّا الأتباع .
المسألة الثّالثة : « أو » يذكر بين أمرين ، الثّاني منهما ينفكّ عن الأوّل ، كما يقال : زوج أو فرد ، ويقال : هذا إنسان أو حيوان ، يعني إن لم يكن إنسانا فهو حيوان ، ولا يصحّ أن يقال : هذا حيوان أو إنسان ؛ إذ يفهم منه أنّه يقول : هو حيوان ، فإن لم يكن حيوانا فهو إنسان ، وهو محال . لكن التّحريق مشتمل على القتل ، فقوله :
اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ
كقول القائل : حيوان أو إنسان ، الجواب عنه من وجهين :
أحدهما : أنّ الاستعمال على خلاف ما ذكر شائع ويكون « أو » مستعملا في موضع « بل » كما يقول القائل :
أعطيته دينارا أو دينارين ، وكما يقول القائل : أعطه دينارا بل دينارين ، قال اللّه تعالى :
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا *