لا يريد تكليف ما لا يطاق ، لأنّه نفى أن يريد ما يضيق على المكلّف فعله ، وإن كان قد يمكنه أن يفعل إذا التزم المشقّة ، فبأن لا يريد ما لا يطاق ، ويتعذّر فعله على كلّ وجه أولى . ( 1 : 216 )
فدلّ تعالى بذلك على أنّه لم يضيّق على المكلّف بالطّهارة والماء معوز بل وسّع فألزم التّيمّم بالموجود من التّراب ، فكيف يصحّ مع ذلك أن يقال : إنّه تعالى يكلّف المرء الإيمان وسائر الطّاعات وهو لا يطيقه !
( تنزيه القرآن عن المطاعن : 111 )
ابن عطيّة : والحرج : الضّيق ، والحرجة : الشّجر الملتفّ المتضايق ، ومنه قيل يوم بدر في أبي جهل : إنّه كان في مثل الحرج من الرّماح . ويجري مع معنى هذه الآية قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « دين اللّه يسر » ، وقوله : « بعثت بالحنيفيّة السّمحة » وجاء لفظ الآية على العموم ، والشّيء المذكور بقرب هو أمر التّيمّم والرّخصة فيه ، وزوال الحرج في تحمّل الماء أبدا ، ولذلك قال أسيد :
ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر . ( 2 : 165 )
الفخر الرّازيّ : قالت المعتزلة : دلّت الآية على أنّ تكليف ما لا يطاق لا يوجد ، لأنّه تعالى أخبر أنّه ما جعل عليكم في الدّين من حرج . ومعلوم أنّ تكليف ما لا يطاق أشدّ أنواع الحرج . قال أصحابنا : لمّا كان خلاف المعلوم محال الوقوع فقد لزمكم ما ألزمتموه علينا .
اعلم أنّ هذه الآية أصل كبير معتبر في الشّرع ، وهو أنّ الأصل في المضارّ أن لا تكون مشروعة ، ويدلّ عليه هذه الآية :
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
الحجّ :
78 ، ويدلّ عليه أيضا :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
البقرة : 185 ، ويدلّ عليه من الأحاديث قوله عليه السّلام : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » ويدلّ عليه أيضا : أنّ دفع الضّرر مستحسن في العقول ، فوجب أن يكون الأمر كذلك في الشّرع ، لقوله عليه السّلام : « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن » .
وأمّا بيان أنّ الأصل في المنافع الإباحة ، فوجوه :
أحدها : قوله تعالى :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
البقرة : 29 .
وثانيها : قوله :
أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ
المائدة : 5 ، وقد بيّنّا أنّ المراد من الطّيّبات المستلذّات والأشياء الّتي ينتفع بها .
وإذا ثبت هذان الأصلان فعند هذا قال نفاة القياس :
لا حاجة ألبتّة أصلا إلى القياس في الشّرع ، لأنّ كلّ حادثة تقع فحكمها المفصّل إن كان مذكورا في الكتاب والسّنّة ، فذاك هو المراد . وإن لم يكن كذلك ، فإن كان من باب المضارّ حرّمناه بالدّلائل الدّالّة على أنّ الأصل في المضارّ الحرمة ، وان كان من باب المنافع أبحناه بالدّلائل الدّالّة على إباحة المنافع ، وليس لأحد أن يقدح في هذين الأصلين بشيء من الأقيسة ، لأنّ القياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياسا واقعا في مقابلة النّصّ ، وأنّه مردود ، فكان باطلا .
( 11 : 176 )
نحوه ملخّصا النّيسابوريّ . ( 6 : 59 )
أبو حيّان : أي من تضييق بل رخّص لكم في تيمّم الصّعيد عند فقد الماء . والإرادة صفة ذات ، وجاءت بلفظ المضارع مراعاة للحوادث الّتي تظهر عنها ، فإنّها