أ - قدّم مريد حرث الآخرة على مريد حرث الدّنيا في الذّكر تفضيلا له ، كما قال عليه السّلام : « نحن الآخرون السّابقون » .
ب : قال في مريد حرث الآخرة :
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ،
وفي مريد حرث الدّنيا
نُؤْتِهِ مِنْها ،
وكلمة ( من ) للتّبعيض فيعطيه بعضه دون كلّه ، كما قال :
عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
الإسراء : 18 .
ثمّ أيّده بالبرهان العقليّ في البابين ، لأنّ من عمل للآخرة وواظب عليه فكثرة الأعمال توجب حصول الملكات ، فكلّما كانت مواظبته عليها أكثر كان ميله إلى طلب الآخرة أشدّ ، فكان الابتهاج بها أعظم والسّعادات أكثر .
وأمّا طالب الدّنيا فكلّما كانت مواظبته على أعمالها أكثر ، كانت رغبته في الفوز بالدّنيا أكثر ، وميله إليها أشدّ .
وإذا كان الميل أبدا في التّزايد بقي على حالة واحدة وكان الحرمان لازما له .
ج : إنّه قال في حرث الآخرة :
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
وبقي ساكتا عن إعطائه الدّنيا والآخرة ، كأنّه يقول :
الآخرة أصل والدّنيا فرع . فواجد الأصل واجد للفرع بقدر الحاجة إلّا أنّه لم يذكره ، لأنّ الدّنيا أخسّ من أن يقرن بالآخرة .
د : إنّه بيّن في
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
أنّ طالب الآخرة يكون حاله أبدا في التّرقّي والتّزايد ، وفي
نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
أنّ طالب الدّنيا في الدّنيا حاله في نقصان ، وفي الآخرة في تمام البطلان .
ه : إنّ الآخرة نسيئة والدّنيا نقد ، والنّسيئة مرجوحة عند النّاس بالنّسبة إلى النّقد ، فبيّن اللّه أنّ هذه القضيّة معكوسة في أحوال الدّنيا والآخرة ، والآخرة وإن كانت نسيئة إلّا أنّها متوجّهة للزّيادة والدّوام ، والدّنيا وإن كانت نقدا إلّا أنّها متوجّهة إلى النّقصان ، ثمّ إلى البطلان ، فهي أرذل وأخسّ ، ولا نسبة بينهما ، وإنّ للدّنيا مجرّد اسم من أحوال الآخرة .
ز : ما تقدّم منه أنّ كلمة « حرث » فيهما تدلّ على وجود السّعي وتحمّل المتاعب فيهما - وأنّ الآخرة في تزايد والدّنيا في نقصان - فصرف المتاعب فيما هو في التّزايد والبقاء ، أولى من صرفها فيما يكون في النّقصان والفناء .
و : ونضيف نحن وجها سابعا ذكره ابن عطيّة وهو :
أنّ الوعد في حرث الآخرة منجّز دون حرث الدّنيا ، لأنّ معنى
نُؤْتِهِ مِنْها
ما شئنا ولمن نشاء ، كما قال :
عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
الإسراء : 18 ، فربّ طالب للدّنيا محروم منها .
8 - طرح عبد الجبّار سؤالا : كيف قال فيمن يريد حرث الدّنيا :
وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
ومعلوم أنّ فيمن يريد حرث الدّنيا من له نصيب في الآخرة ؟
وأجاب : بأنّ المراد : من كانت إرادته مقصورة على حرث الدّنيا فلا نصيب له في الآخرة .
ونقول : سياق الآية ينفي السّؤال رأسا ، فلا موقع له أصلا .
9 - قال :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها
فأنّث الضّمير ( منها ) وهو راجع إلى « حرث » ؟