وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ . . . .
وأمّا الآية ( 4 ) فقد سبق أنّها تمثيل لآكل الرّبا بمن أعلن حربا على اللّه ورسوله ، ولا علاقة له بالحرب بين المسلمين والكفّار .
4 - قال أهل المعاني - كما رواه البغويّ - في ( 4 ) :
« حرب اللّه النّار ، وحرب رسول اللّه السّيف » .
وقال آخرون : « حرب اللّه كحرب المرتدّين ، وحرب الرّسول كحرب البغاة ، وجمهور المفسّرين عليه » ، وعن الشّيخ عبده : « حرب اللّه بغضه وانتقامه ، وحرب الرّسول فهي مقاومته بالفعل في زمنه . . . »
وقيل : « لا حرب حقيقة ، وإنّما هو تهديد وتخويف » ، وهذا ما أيّدناه ، وقلنا : إنّها تمثيل لا حرب حقيقة ، ولا شاهد لما قالوه .
5 - وسياق آيات « الحرب » وكذلك « المحاربة » كلّها الذّمّ والتّشديد والعذاب ، موافقة لنفس المادّة ، وللمخاطبين فيها ، وهم الكفّار والعصاة .
وأمّا المحاربة ففيها بحوث أيضا :
1 - جاء في ( 5 ) :
إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ،
وفي ( 6 ) :
الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .
وليس المراد بهما القتال في المعركة بل السّعي في مخالفة اللّه ورسوله ، والإفساد في الأرض ، كما يحاكي سياقهما وما نزل بشأنهما :
فالأولى نزلت - كما رواه المفسّرون - بشأن مسجد بناه جماعة من المنافقين قرب مسجد قبا بنيّة سيّئة ، كما قال :
ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ .
وأريد ب ( من حارب اللّه من قبل - كما قال الطّبرسيّ ج 3 ص : 72 - : « أبو عامر الرّاهب الّذي ترهّب في الجاهليّة ولبس المسوح ، فلمّا قدم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله المدينة حسده وحزّب عليه الأحزاب ، ثمّ هرب بعد فتح مكّة إلى الطّائف . فلمّا أسلم أهل الطّائف لحق بالشّام وخرج إلى الرّوم ، وتنصّر - وسمّاه الرّسول عليه السّلام « الفاسق » - وأرسل إلى المنافقين أن استعدّوا وابنوا مسجدا ، فإنيّ آتيكم من عند قيصر بجنود . . . فكان هؤلاء المنافقون يتوقّعون أن يجيئهم أبو عامر ، فمات قبل أن يلقى ملك الرّوم . . . » .
وأمّا الثّانية ففي من نزلت فيهم خلاف واسع : أهم اليهود ، أو المشركون ، أو المرتدّون أو الزّناة ، أو المفسدون في الأرض كقطّاع الطّريق وهو الأقوى بل المتعيّن - فراجع النّصوص - ولا سيّما نصّ الجصّاص وابن عطيّة ، وابن العربيّ والفخر الرّازيّ ، ورشيد رضا ، فقد اتّفقوا على أن ليس المراد بالمحاربة فيها : القتال في المعركة ، بل عدّوها مجازا لاستحالة محاربة اللّه حقيقة .
قال الجصّاص : « هو مجاز ، لأنّ اللّه يستحيل أن يحارب » ثمّ ذكر وجهين في إطلاقها على من ذكر : إمّا تشبيها بالمحاربين في المعركة ، أو أريد بها الّذين يحاربون أولياء اللّه ، وقال : « وقد يصحّ إطلاق لفظ المحاربة للّه ولرسوله على من عظمت جريرته بالمجاهرة بالمعصية ، وإن كان من أهل الملّة . . . » ومثله ابن الجوزيّ وغيره .
2 - جاء في تلك النّصوص حكم المحارب ، والمفسد في الأرض تفصيلا ، وأنّ الحاكم الإسلاميّ هل هو مخيّر