وقال المصطفويّ : « الحذر : اسم مصدر ، أي بمعنى ما يحصل من الحذر مصدرا . . . » .
ونقول : لو قيل : إنّ « الحذر » فيها هو التّرس لم يكن بعيدا ، ولكنّهم لم يذكروه .
3 - وقد نبّه الإمام عبده ومن بعده هنا على طرق الاستعداد والتّهيّؤ للعدوّ ، وهي أمور :
أ - معرفة حال العدوّ ومبلغ استعداده وقوّته ، وما يوجد بينهم من الوفاق والخلاف إذا كانوا متعدّدين ، وما عندهم من الأسلحة ومعرفة الوسائل لمقاومتهم إذا هجموا على المسلمين .
ب - معرفة أرض العدوّ ، وبلاده وطرقها ومضايقها وجبالها وأنهارها ، وما إلى ذلك ، وكذا معرفة بلاد أنفسهم .
ج - الوقوف أمام العدوّ عند حدوده ، ولا نمهله أن يتجاوز حدودنا .
د - تحصيل العلم بصناعة الأسلحة بأنواعها ، وبالفنون الحربيّة والمكائد الخفيّة خلال الحروب .
ه - العلم بالأسلحة الّتي عند العدوّ ولا سيّما في العصر الحاضر من المدافع بأنواعها والبنادق والموادّ المنفجرة والطّيّارات والسّيّارات الخاصّة بالحرب ، وهي لا تعدّ ولا تحصى ، وتزداد في كلّ يوم شرقا وغربا .
و - وذهب المكارم إلى أنّ كلمة « الحذر » بمعانيها الواسعة تستوعب كلّ أنواع الوسائل المادّيّة والمعنويّة الدّفاعيّة ، وأنّ الأمر باتّخاذ الحذر يشمل الاستعداد النّفسيّ والثّقافيّ والاقتصاديّ ، لتعبئة كافّة الإمكانيّات البشريّة ، فلا حظ .
وقد نبّه فضل اللّه على أنّ « الحذر » غير « الخوف » فإنّ الخوف يشلّ القدرة ، ويدفع إلى الهزيمة . أمّا « الحذر » فإنّه يوحي بالدّراسة الدّقيقة الموضوعيّة للواقع ، للتّعرّف على أفضل الوسائل للمواجهة ، بطريقة حكيمة واعية مدروسة .
ز - وللسّيّد قطب كلام رائع في هذا المجال ، منه أنّ القرآن رسم للمسلمين - بصفة عامّة - الخطّة العامّة للمعركة ، وهي ما يعرف باسم « استراتيجيّة المعركة » ، واستشهد لذلك بآيات من سورة الأنفال وغيرها ، فلا حظ .
وعندنا أنّ قوله :
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
الأنفال : 60 ، وهي من أوائل ما نزل بشأن الحرب ، لأنّ « الأنفال » نزلت بشأن غزوة بدر . فقد رسم اللّه فيها كلّ ما يحتاج إليه المسلمون في الدّفاع عن أنفسهم أمام الأعداء إلى آخر الدّهر ، مشيرا إلى أنّ الهدف من هذا الاستعداد ليس قتلهم ، بل إرهابهم ، لاحظ « ط وع :
استطعتم » ، و « ر ه ب : ترهبون » .
سادسا : جاءت اسم فاعل واسم مفعول في آيتين أيضا ( 14 )
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ،
و ( 15 )
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ،
وفيهما بحوث أيضا :
1 - قرءت ( حاذرون ، وحذرون ) حكاهما الطّبريّ مصرّحا بأنّهما قراءتان مستفيضتان يجوز القراءة بهما .
وبعضهم قرأ ( حادرون ) بالدّال ، وحكى الزّمخشريّ القراءات الثّلاث .
2 - هذه من قول فرعون في :
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى