من دون المؤمنين ، ثمّ هدّدهم بأنّ من يفعل ذلك من غير تقيّة فليس من اللّه في شيء ، أي لا ولاية ولا علاقة بينه وبين اللّه ، وهذا وعيد بالغ النّهاية . ثمّ حذّرهم نفسه مشفوعا بأنّ مصيرهم إلى اللّه ، مشيرا إلى أنّه يعاقبهم به ، فهذا كالصّريح في أنّ الحذر من اللّه حذر من عقابه ، وكرّر اسم الجلالة فيها ثلاث مرّات تشديدا وتهويلا .
ثمّ أكّده في الثّانية بأنّ اللّه يعلم ولاءكم للكافرين سواء أخفيتموه في صدوركم ، أو أبديتموه بأفواهكم وسلوككم ، فإنّ اللّه بكلّ شيء عليم ، وهذا تهديد لمن والاهم سرّا ، ليكونوا لهم عونا لو دارت الدّوائر عليهم ، كما قال :
تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ
الممتحنة : 1 .
ثمّ شدّد الأمر في الثّالثة بأنّ كلّ نفس تجد ما عملت من خير أو سوء ، مع الفصل بينهما بتكرار ( ما عملت ) تسجيلا للعدل في الجزاء ، ثمّ زاده تشديدا ، بأنّها تودّ أن يكون بينها وبين ما عملت أمدا بعيدا .
وأخيرا كرّر
يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
مع تفاوت للأوّل ؛ حيث ذيّلها بما يبعث على الرّجاء والأمل
وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ،
في حين أنّه ذيّل الأوّل بما يوجب الهول والحذر :
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
وبذلك فقد قارن اللّه - كعادته - الإنذار بالتّبشير تقديما الأوّل على الأخير ، وتلطيفا في الخطاب بلفظي « رؤوف » و « عباد » وقد كرّر فيها اسم الجلالة مرّتين تخفيفا في التّهويل .
ثالثا : ما يرجع فيه الحذر صريحا إلى أفعاله تعالى 3 آيات ( 3 و 4 و 15 )
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ،
و
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ
، و
يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ * إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً
وفيها بحوث أيضا :
1 - جاء في الأوليين ما يتعلّق بالدّنيا والآخرة معا :
ففي الأولى إصابة فتنة في الدّنيا ، وعذاب أليم في الآخرة ، وفي الثّانية الحذر من العذاب في الآخرة ورجاء الرّحمة في الدّنيا ، أو في الدّنيا والآخرة معا .
وكذا في الأخيرة جمع بين رجاء الرّحمة وبين الخوف والحذر من العذاب ، مع تقديم الرّجاء فيها على الحذر عكس الثّانية ؛ حيث قدّم الحذر فيها تنويعا في الإنذار والتّبشير وتفنّنا في الإرشاد والتّبليغ .
قال الفخر الرّازيّ في هذا المجال : « إشارة إلى أنّ الإنسان عند المواظبة ينكشف له في الأوّل مقام القهر ، وهو قوله :
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ
ثمّ بعده مقام الرّحمة ، وهو قوله :
وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ »
ونقول : من كمال المعرفة للّه حصول الخوف والرّجاء معا في القلب ، ولعلّ المطلوب التّسوية بينهما ، غاية الأمر ، المؤمنون متفاوتون في درجات المعرفة ، أو في حالات التّقرّب والعبادة ، فقد يتجلّى لهم من اللّه مقام اللّطف والرّحمة فيتلوهما الرّجاء في القلوب .
وقد يتجلّى لهم مقام القهر والنّقمة ، فيتسرّع إليها الخوف والخشية ، ومن هنا نشأ التّفاوت بين الآيتين تقديما وتأخيرا .
على أنّ الأخيرة جاءت في حقّ من هو قانت باللّيل من المؤمنين ، أمّا الثّانية فيحتمل اختصاصها بالأنبياء المذكورين قبلها ، كما فسّرها الطّبرسيّ ج 3 ص 422 ، لاحظ : « خ وف : الخوف والرّجاء » .