الفخر الرّازيّ : المسألة الثّانية : في تفسير هذه الصّفات التّسع [ للمؤمنين في الآية ، فذكرها ثمّ قال : ]
الصّفة التّاسعة : قوله :
وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ
والمقصود أنّ تكاليف اللّه كثيرة ، وهي محصورة في نوعين : أحدهما : ما يتعلّق بالعبادات ، والثّاني : ما يتعلّق بالمعاملات .
أمّا العبادات فهي الّتي أمر اللّه بها لا لمصلحة مرعيّة في الدّنيا ، بل لمصالح مرعيّة في الدّين ، وهي الصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ والجهاد والإعتاق والنّذور ، وسائر أعمال البرّ .
وأمّا المعاملات فهي : إمّا لجلب المنافع وإمّا لدفع المضارّ :
والقسم الأوّل : وهو ما يتعلّق بجلب المنافع ، فتلك المنافع : إمّا أن تكون مقصودة بالأصالة أو بالتّبعيّة .
أمّا المنافع المقصودة بالأصالة ، فهي المنافع الحاصلة من طرف الحواسّ الخمسة :
فأوّلها : المذوقات ، ويدخل فيها كتاب الأطعمة والأشربة من الفقه . ولمّا كان الطّعام قد يكون نباتا ، وقد يكون حيوانا ، والحيوان لا يمكن أكله إلّا بعد الذّبح ، واللّه تعالى شرط في الذّبح شرائط مخصوصة ، فلأجل هذا دخل في الفقه كتاب الصّيد والذّبائح ، وكتاب الضّحايا .
وثانيها : الملموسات ، ويدخل فيها باب أحكام الوقاع ، من جملتها ما يفيد حلّه ، وهو باب النّكاح ، ومنه أيضا باب الرّضاع ، ومنها ما هو بحث عن لوازم النّكاح ، مثل المهر والنّفقة والمسكن ، ويتّصل به أحوال القسم والنّشوز ، ومنها ما هو بحث عن الأسباب المزيلة للنّكاح ، ويدخل فيه كتاب الطّلاق والخلع والإيلاء والظّهار واللّعان . ومن الأحكام المتعلّقة بالملموسات : البحث عمّا يحلّ لبسه وعمّا لا يحلّ ، وعمّا يحلّ استعماله وعمّا لا يحلّ استعماله ، وما لا يحلّ ، كاستعماله الأواني الذّهبيّة والفضّيّة ، وطال كلام الفقهاء في هذا الباب .
وثالثها : المبصرات ، وهي باب ما يحلّ النّظر إليه وما لا يحلّ .
ورابعها : المسموعات ، وهو باب هل يحلّ سماعه أم لا ؟
وخامسها : المشمومات ، وليس للفقهاء فيها مجال .
وأمّا المنافع المقصودة بالتّبع فهي الأموال ، والبحث عنها من ثلاثة أوجه :
الأوّل : الأسباب المفيدة للملك ، وهي إمّا البيع أو غيره . أمّا البيع فهو إمّا بيع الأعيان ، أو بيع المنافع . وبيع الأعيان ، فإمّا أن يكون بيع العين بالعين ، أو بيع الدّين بالعين وهو السّلم ، أو بيع العين بالدّين ، كما إذا اشترى شيئا في الذّمّة ، أو بيع الدّين بالدّين . وقيل : إنّه لا يجوز ، لما روي أنّه عليه الصّلاة والسّلام نهى عن بيع الكالئ بالكالئ ، ولكن حصل له مثال في الشّرع وهو تقاضي الدّينين .
وأمّا بيع المنفعة فيدخل فيه كتاب الإجارة ، وكتاب الجعالة ، وكتاب عقد المضاربة . وأمّا سائر الأسباب الموجبة للملك فهي الإرث ، والهبة ، والوصيّة ، وإحياء الموات ، والالتقاط ، وأخذ الفيء والغنائم ، وأخذ الزّكوات وغيرها . ولا طريق إلى ضبط أسباب الملك إلّا بالاستقراء .