القرطبيّ : أي هذه الأحكام حدود اللّه فلا تخالفوها ، ف ( تلك ) إشارة إلى هذه الأوامر والنّواهي ، والحدود :
الحواجز . [ إلى أن قال : ]
وسمّيت
حُدُودُ اللَّهِ *
لأنّها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها ، وأن يخرج منها ما هو منها .
ومنها سمّيت الحدود في المعاصي ، لأنّها تمنع أصحابها من العود إلى أمثالها . ومنه سمّيت الحادّ في العدّة ، لأنّها تمتنع من الزّينة . ( 2 : 337 )
أبو حيّان : . . . وكانت آية الصّيام قد تضمّنت عدّة أوامر ، والأمر بالشّيء نهي عن ضدّه ، فبهذا الاعتبار كانت عدّة مناهي ، ثمّ جاء آخرها النّهي عن المباشرة في حالة الاعتكاف ، فأطلق على الكلّ حدود تغليبا للمنطوق به ، واعتبارا بتلك المناهي الّتي تضمّنتها الأوامر ، فقيل : ( حدود اللّه ) . واحتيج إلى هذا التّأويل لأنّ المأمور بفعله لا يقال فيه : ( فلا تقربوها ) . [ ثمّ ذكر الأقوال وأضاف : ]
وإضافة الحدود إلى ( اللّه ) تعالى هنا وحيث ذكرت ، تدلّ على المبالغة في عدم الالتباس بها ، ولم تأت منكّرة ولا معرّفة بالألف واللّام ، بهذا المعنى . [ إلى أن قال : ]
وجاء هنا ( فلا تقربوها ) وفي مكان آخر
فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ
وقوله :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ
لأنّه غلّب هنا جهة النّهي ؛ إذ هو المعقّب بقوله :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ *
وما كان منهيّا عن فعله كان النّهي عن قربانه أبلغ .
وأمّا حيث جاء ( فلا تعتدوها ) فجاء عقب بيان عدد الطّلاق وذكر أحكام العدّة والإيلاء والحيض ، فناسب أن ينهى عن التّعدّي فيها ، وهو مجاوزة الحدّ الّذي حدّه اللّه فيها ، وكذلك قوله تعالى :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ
النّساء : 14 ، جاء بعد أحكام المواريث ، وذكر أنصباء الوارث ، والنّظر في أموال الأيتام ، وبيان عدد ما يحلّ من الزّوجات ، فناسب أن يذكر عقيب هذا كلّه التّعدّي الّذي هو مجاوزة ما شرّعه اللّه من هذه الأحكام إلى ما لم يشرّعه .
وجاء قوله :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ *
عقيب قوله :
وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ
ثمّ وعد من أطاع بالجنّة وأوعد من عصا وتعدّى حدوده بالنّار ، فكلّ نهي من القربان والتّعدّي واقع في مكان مناسبته . ( 2 : 54 )
نحوه السّمين . ( 1 : 476 )
الكاشانيّ : ( تلك ) أي الأحكام الّتي ذكرت
حُدُودُ اللَّهِ : *
حرمات اللّه ومناهيه . ( 1 : 207 )
نحوه شبّر . ( 1 : 192 )
الآلوسيّ : ( تلك ) أي الأحكام السّتّة المذكورة ، المشتملة على إيجاب وتحريم وإباحة ،
حُدُودُ اللَّهِ *
أي حاجزة بين الحقّ والباطل ،
فَلا تَقْرَبُوها
كيلا يداني الباطل .
والنّهي عن القرب من « تلك الحدود » الّتي هي الأحكام ، كناية عن قرب الباطل ، لكون الأوّل لازما للثّاني ، وهو أبلغ من ( لا تعتدوها ) لأنّه نهي عن قرب الباطل بطريق الكناية الّتي هي أبلغ من الصّريح ؛ وذلك نهي عن الوقوع في الباطل بطريق الصّريح ؛ وعلى هذا لا يشكل
فَلا تَقْرَبُوها
في تلك الأحكام مع اشتمالها على ما سمعت ، ولا وقوع ( فلا تعتدوها ) ، وفي آية أخرى