تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 869

مساهمون:

ص٨٦٩
واحتمل الطّباطبائيّ أنّها تعقيب لما قبلها
لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ
أي لا حجّة تدلّ على تقدّم بعض على بعض يقيمها ، فيثبت به تقدّمه عليه ، أو لا خصومة بيننا بتفاوت الدّرجات ، لأنّ ربّنا واحد . . . ثمّ ردّ الوجه الأوّل - وهو أنّه لا حاجة إلى الحجّة أو الخصومة لأنّ الحقّ قد ظهر - استنادا إلى أنّ الكلام مسوق لبيان سنّة التّسوية - كما جاء قبلها - لا لإثبات شيء من أصول المعارف . وعندنا أنّ الأظهر هو الوجه الأوّل بشهادة ما بعدها : « الله يجمع بيننا وبينكم والذين يحاجون في الله . . . » أي لا مجال لإقامة الحجّة على توحيد اللّه بعد وضوحه ، واللّه يحكم بيننا في الآخرة . فهذه محاجّة بين النّبيّ والمشركين ، والحجّة فيها حقّ من طرفه وباطل من طرفهم ، والحاكم هو اللّه في الدّار الآخرة . 2 -
حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
وهذه بيان بطلان تلك الحجّة من طرفهم ، لاحظ « ج وب : استجيب » . ثالثتها : ( 25 )
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
وهذه في إثبات الرّسالة وما قبلها ، كما سبق في أصول المعارف ، والرّسالة طريق إليها ، ومحتواهما واحد . فالآية بعد تسمية جملة من الرّسل ، وبيان وظيفتهم ، وهي التّبشير والإنذار
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
دخلت في صميم الموضوع ، وهو ثمرة الرّسالة بأنّها تقطع حجّة الكفّار في ترك المعارف ورفض الطّاعة بأن يقولوا ، كما حكى القرآن عنهم مرّتين :
لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا
طه : 134 ، والقصص : 47 ، فالرّسالة حكمة من اللّه لمصلحة عباده من موضع العزّة ، ولهذا ذيّلها ب
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً .
وفيها بحوث : 1 - احتجّ به جمهور أهل السّنّة غير المعتزلة على أنّ معرفة اللّه لا تثبت إلّا بالسّمع ، وأنّ اللّه لا يعذّب الخلق قبل بعثة الرّسل ، كما قال :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
الإسراء : 15 ،
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ
طه : 134 . وأمّا المعتزلة القائلون : بأنّ العقل حجّة برأسه ، والنّاس محجوجون به للنّظر ، فأوّلوها بأنّ الرّسل ينبّهون النّاس عن غفلتهم ، ويوقظون عقولهم للنّظر حتّى يصلوا بعقولهم إلى المعارف الإلهيّة ، وهذا ما يشهد به قول عليّ عليه السّلام : « فبعث فيهم رسله . . . وليثيروا لهم دفائن العقول » نهج البلاغة خ 1 . وبعضهم قالوا : العقل يهدي إلى أصول المعارف الكلّيّة ، وأمّا الفروع والشّرائع فبهداية الأنبياء . ونقول : صريح الآيات أنّ اللّه لا يعذّب أحدا ما لم يرسل إليه رسولا ، وهذا عامّ يشمل الأصول والفروع والخواصّ والعوامّ ، ولو سلّمنا أنّ العقل يكفي بالأصول للخواصّ ، ولكن اللّه بلطفه على العباد لم يكتف به حتّى ضمّ إليه الرّسل ليثيروا ما ارتكز في العقول ، ولم يؤاخذ أحدا بها ، بل جمع بينهما لتتمّ الحجّة على النّاس جميعا ، مع أنّ دليل المعتزلة لمذهبهم ، كما حكاه الطّوسيّ من الوجهين مدخولة ، فلاحظ . 2 - قال الجبّائيّ : إنّ الآية خاصّة بمن علم اللّه من حاله أنّ له في بعثة الأنبياء لطفا ، لأنّه لو لم يبعث إليه كان
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 869 | مجمع البحوث الاسلامية