الواحد وإرساله الأنبياء بالحجج الّتي يعجز عنها المخلوقون » أو « الحجّة البالغة : تبيين التّوحيد وإبداء الرّسل بالمعجزات ، ولزوم أمره كلّ مكلّف » وأشباهها ، فإنّها خارجة عن منطوق هذه الآية ، وإن تعمّها ملاكا على أنّها توجب فصلها عمّا جاء قبلها مباشرة .
وقد أرجعها مغنيّة إلى الحجج الدّافعة الّتي أفهم بها إبراهيم قومه ، وقال : « أي نحن ألهمناه إيّاها ، وأنّ الأنبياء هم لسان اللّه والرّادّ عليهم كالرّادّ على اللّه » .
وهذا أيضا يقتضي فصلها مع وجود شاهد الوصل .
وقد أطال الفخر الرّازيّ في بيان الحجّة البالغة بوجهين :
أوّلهما : أنّه أقدركم على الخير والشّرّ بما أعطاكم من العقل والفهم والأبصار والآذان ، فادّعاءكم أنّكم عاجزون عن الإيمان والطّاعة دعوى باطلة .
وثانيهما : أنّكم تقولون : لو وقعت أفعالنا على خلاف مشيئة اللّه لكنّا قد غلبنا اللّه ، وللزم عجزه وضعفه ، والقدح فيه .
والجواب : أنّ العجز والضّعف إنّما يلزم إذا لم أكن قادرا على حملكم على الإيمان والطّاعة ، ولكنّي قادر على ذلك فلو شئت لهديتكم
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ .
وكلّ هذه الوجوه لا يخلو عن لطف ، إلّا أنّ الموافق للسّياق هو ما قلناه من اتّصالها بما قبلها .
د : جاء في ذيلها
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
وهذا ردّ لادّعائهم فيما قبلها :
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ
ومرادهم أنّ اللّه شاء ذلك منهم وأنّهم مجبورون بالشّرك والتّحريم ، ونظيرها :
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
النّحل : 35 .
وذيلها
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
إكمال لتلك الحجّة - وفاء التّفريع تربطها بما قبلها - وبيان لها بأنّ هؤلاء إذا عجزوا عن إقامة حجّة على ما ادّعوه على اللّه من الجبر والإلجاء ، فللّه الحجّة البالغة عليهم في نفي الجبر ، بأنّه لو أراد الإلجاء لألجأهم إلى الإيمان وهداهم جميعا ، لكنّه لم يفعل ذلك ، وإن كان حسنا ، فكيف يلجأهم إلى الشّرك وهو قبيح ؟ والإلجاء بهما ينافي التّكليف . هذا ما أفاده الطّبرسيّ أيضا .
وأمّا الفخر الرّازيّ : فقد وصله بالوجه الثّاني ممّا ذكره في تقرير حجّتهم ، وهو أنّهم ادّعوا عجز اللّه وضعفه لو غلبوه في مشيئته ، فأجاب بأنّ العجز والضّعف إنّما يلزم إذا لم أكن قادرا على حملهم على الإيمان والطّاعة إلجاء ، ولكنّي قادر عليه ، ولا ألجئهم ، لأنّه يبطل الحكمة المطلوبة من التّكليف .
فهذان رؤيتان في تفسير الآية قريبتان .
ه : جاءت في الآيتين :
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
- إلى -
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ
للّه مشيئتان : إحداهما : ما أثبته المشركون للّه افتراء وكذبا على اللّه ، وثانيتهما : ما أثبته اللّه لنفسه . وقد فرّق الطّبرسيّ ج 2 : 381 ، بين المشيئتين بأنّ اللّه أثبت الثّانية وهي مشيئة الاختيار ، ونفي الأولى وهي مشيئة الإلجاء . ومراده أنّ مشيئة اللّه هدايتهم ليست جبريّة ، فهو مختار في هذه المشيئة ، فله أن يشاء هدايتهم وله أن لا يشاء .