وليس هذا فارقا ، لأنّ المشركين لم يدّعوا أيضا أنّ اللّه مجبور في مشيئته الإشراك والتّحريم ، بل ادّعوا بمفهوم الآية - لا بمنطوقها - أنّ اللّه أجبرهم بمشيئته على ذلك ، وكان له أن لا يجبرهم . وقد قلنا في الثّانية : إنّه لو شاء لهداهم جبرا ، ولكنّه لم يشأ إلجاءهم باختياره ، وبعبارة أخرى إنّ المشيئتين كلتاهما اختياريّ للّه وقد توجبان الإلجاء للعباد ، ولكنّهما جميعا منفيّان ، لما سبق من أنّ الإلجاء على الكفر أو الإيمان ينافي التّكليف ، ولهذا جاءتا خلف ( لو ) ( لو شاء ) وهي لامتناع التّالي لامتناع المقدّم ، مع أنّ صدر كلامه وذيله متضادّان ، فلاحظ .
3 - هذا تمام البحث في ( 21 و 22 ) والحجّة فيهما للّه وهي حقّ ، وأمّا باقي الآيات الأربعة ( 23 - 26 ) فالحجّة فيها لغير اللّه وكلّها باطلة ، كما يأتي :
الأولى ( 23 ) : جاءت بشأن تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة ، والحجّة فيها لليهود أو للمشركين أو لهم جميعا :
أمّا اليهود ، فقالوا : كنت وأصحابك تصلّون إلى بيت المقدس ، فإن كان ضلالا فقد مات أصحابك عليه ، وإن كان هدى فقد حوّلت عنه .
أو قالوا : مادرى محمّد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم نحن .
أو قالوا : يخالفنا محمّد في ديننا ويتّبع قبلتنا . فقطع اللّه حجّتهم وحسمه بتحويل القبلة من قبلتهم إلى قبلة إبراهيم عليه السّلام .
أو قالوا : إنّ النّبيّ الّذي نجده في كتابنا ليحوّل إلى قبلة إبراهيم ، ولم تحوّل أنت ؟
أو قالوا : ما توجّه إلى قبلتنا إلّا أنّا كنّا أهدى منه ، وغير ذلك .
وأمّا المشركون فقالوا : إنّه يدّعي ملّة إبراهيم ويخالف قبلته . وأيّا ما كان فبتحويل القبلة بطلت حجّة الفريقين .
أمّا قول بعضهم في حجّة المشركين : إنّهم قالوا : قد رجع إلى قبلتكم ويوشك أن يعود إلى دينكم ، فهذا لا يبطل بتحويل القبلة وليس فيه حجّة . وكذا قول الجبّائيّ إنّ معناه : لا تعدلوا عمّا أمركم اللّه به من التّوجّه إلى الكعبة ، فتكون لهم عليكم حجّة بأن يقولوا : لو كنتم تعلمون أنّه من عند اللّه لما عدلتم عنه ؟ وفول بعضهم : إنّ اليهود قالوا : ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلّا ميلا إلى دين قومه وحبّا لبلده ، ولو كان على الحقّ للزم قبلتنا ، فإنّهما لا ينسجمان مع سياق الآية .
4 - وهاهنا بحوث :
أ - تسمية باطلهم حجّة ، إمّا لأنّهم يسوقونه سياق الحجّة ، أو أريد بالحجّة : المحاجّة والجدال ، وأنّ كلّ كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجّة ، وقد أطلقت على الباطل صراحة في ( 19 ) :
حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ .
ب - الاستثناء في
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ *
إمّا متّصل ، ولازمه أنّ لهؤلاء الظّالمين حجّة ولكنّها حجّة باطلة ، كما سبق ، وإمّا منقطع فلا يعدّ كلامهم حجّة أصلا لا حقّا ولا باطلا ، بل ظلما فقط ، فهو كقول الرّجل لصاحبه : « مالك عندي حقّ إلّا أن تظلم أو تقول الباطل » .
وقيل : ( الّا ) بمعنى « لكن » أو « واو العطف » مثل