والثّانية نون الوقاية ، والخلاف في المحذوف منهما مذكور في علم النّحو . وقد لحن بعض النّحويّين من قرأ بالتّخفيف ، وأخطأ في ذلك .
وقال مكّيّ : الحذف بعيد في العربيّة قبيح مكروه ، وإنّما يجوز في الشّعر للوزن ، والقرآن لا يحتمل ذلك فيه ؛ إذ لا ضرورة تدعو إليه . وقول مكّيّ ليس بالمرتضى .
وقيل : التّخفيف لغة لغطفان .
وقرأ باقي السّبعة بتشديد النّون ، أصله : أتحاجّونني ، فأدغم هروبا من استثقال المثلين متحرّكين ، فخفّف بالإدغام ، ولم يقرأ هناك بالفكّ وإن كان هو الأصل ، ويجوز في الكلام .
و ( في اللّه ) متعلّق ب ( اتحاجّونّى ) لا بقوله : ( وحاجّه قومه ) ، والمسألة من باب الإعمال إعمال الثّاني ، فلو كان متعلّقا بالأوّل لأضمر في الثّاني ، ونظيره :
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ
النّساء : 176 .
والجملة من قوله : ( وقد هدين ) حاليّة ، أنكر عليهم أن تقع منهم محاجّة له ، وقد حصلت من اللّه له الهداية لتوحيده ، فمحاجّتهم لا تجدي ، لأنّها داحضة . ( 4 : 169 )
أبو السّعود : أي شرعوا في مغالبته في أمر التّوحيد .
( 2 : 406 )
نحوه الآلوسيّ . ( 7 : 204 )
المراغيّ : أي وجادله قومه في أمر التّوحيد ، فهو حين أبان لهم بطلان عبادة الأصنام وربوبيّة الكواكب ، وأثبت لهم وحدانيّة اللّه تعالى ووجوب عبادته وحده ، حاجّوه ببيان أوهامهم في شركهم ؛ إذ قالوا : إنّ اتّخاذ الآلهة لا ينافي الإيمان باللّه الفاطر للسّماوات والأرض ، لأنّهم شفعاء عنده ، ولمّا لم يجد ذلك معه خوّفوه أن تمسّه آلهتهم بسوء . ( 7 : 175 )
الطّباطبائيّ : قسّم تعالى حججه إلى قسمين :
أحدهما : ما بدأ به هو فحاجّ النّاس .
وثانيهما : ما بدأ به النّاس فكلّموه به بعد ما تبرّأ من آلهتهم . وهذا الّذي تعرّض له في الآية وما بعده هو القسم الثّاني . لم يذكر تعالى ما أوردوه عليه من الحجّة لكنّه لوّح إليه بقوله حكاية عن إبراهيم عليه السّلام :
وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ
فهو الاحتجاج لوجوب عبادة آلهتهم من جهة الخوف . ( 7 : 192 )
حاجّك
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ . . .
آل عمران : 61
ابن عبّاس : فمن خاصمك . ( 48 )
الطّبريّ : فمن جادلك . ( 3 : 297 )
مثله البغويّ . ( 1 : 449 )
الواحديّ : أي جادلك وخاصمك . ( 1 : 444 )
نحوه ابن عطيّة . ( 1 : 447 )
أبو حيّان : أي : من نازعك وجادلك ، وهو من باب « مفاعلة » الّتي تكون بين الاثنين ، وكان الأمر كذلك بينه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين وفد نجران . ( 2 : 479 )
نحوه الآلوسيّ . ( 3 : 187 )
وبهذا المعنى جاء
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ . . .
آل عمران : 20 ، و
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ