أولى ، لأنّ الكتاب إذا نزل دفعة واحدة كثرت التّكاليف وتوجّهت بأسرها على المكلّفين فيثقل عليهم قبولها ، ولهذا السّبب أصرّ قوم موسى عليه السّلام على التّمرّد ولم يقبلوا تلك التّكاليف . أمّا إذا نزل الكتاب منجّما مفرّقا لم يكن كذلك ، بل ينزل التّكاليف شيئا فشيئا وجزء فجزء ، فحينئذ يحصل الانقياد والطّاعة من القوم .
وحاصل هذا الجواب أنّ المقصود من بعثة الرّسل وإنزال الكتب هو الإعذار والإنذار ، وهذا المقصود حاصل سواء نزل الكتاب دفعة واحدة أو لم يكن كذلك ، فكان اقتراح اليهود في إنزال الكتاب دفعة واحدة اقتراحا فاسدا . وهذا أيضا جواب عن تلك الشّبهة في غاية الحسن . [ إلى أن قال : ]
المسألة الثّالثة : احتجّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ وجوب معرفة اللّه تعالى لا يثبت إلّا بالسّمع ، قالوا : لأنّ قوله :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
يدلّ على أنّ قبل البعثة يكون للنّاس حجّة في ترك الطّاعات والعبادات ، ونظيره قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
الإسراء : 15 . وقوله :
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى
طه : 134 .
المسألة الرّابعة : قالت المعتزلة : دلّت هذه الآية على أنّ العبد قد يحتجّ على الرّبّ ، وأنّ الّذي يقوله أهل السّنّة من أنّه تعالى لا اعتراض عليه في شيء ، وأنّ له أن يفعل ما يشاء كما يشاء ليس بشيء ، قالوا : لأنّ قوله :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
يقتضي أنّ لهم على اللّه حجّة قبل الرّسل ؛ وذلك يبطل قول أهل السنّة .
والجواب : المراد لئلّا يكون للنّاس على اللّه حجّة ، أي ما يشبه الحجّة فيما بينكم .
قالت المعتزلة : وتدلّ هذه الآية أيضا على أنّ تكليف مالا يطاق غير جائز ، لأنّ عدم إرسال الرّسل إذا كان يصلح عذرا فبأن يكون عدم المكنة والقدرة صالحا لأن يكون عذرا ، كان أولى ، وجوابه المعارضة بالعلم ، واللّه أعلم . ( 11 : 110 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 6 : 19 )
البيضاويّ :
لِئَلَّا يَكُونَ . . .
فيقولوا :
لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا
طه : 134 ، فينبّهنا ويعلّمنا ما لم نكن نعلم ، وفيه تنبيه على أنّ بعثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام إلى النّاس ضرورة ، لقصور الكلّ عن إدراك جزئيّات المصالح والأكثر عن إدراك كلّيّاتها .
( 1 : 256 )
الخازن : المعنى لئلّا يحتجّ النّاس على اللّه في ترك التّوحيد والطّاعة بعد الرّسل ، فيقولوا : ما أرسلت إلينا رسولا ، وما أنزلت علينا كتابا .
ففيه دليل على أنّه لو لم يبعث الرّسل لكان للنّاس عليه حجّة في ترك التّوحيد والطّاعة .
وفيه دليل على أنّ اللّه لا يعذّب الخلق قبل بعثة الرّسل ، كما قال تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
الإسراء : 15 .
وفيه دليل لمذهب أهل السّنّة على أنّ معرفة اللّه تعالى لا تثبت إلّا بالسّمع ، لأنّ قوله :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
يدلّ على أنّ قبل بعثة الرّسل