الحجاب من الوسط ، أعني طرفه الّذي يلي المتكلّم ، فسواء أعيد « من » أو لم يعد ، يكون الطّرف الآخر منتهى باعتبار ومبتدأ باعتبار ، فيكون الظّاهر الاستيعاب ، لأنّ جميع الجهة - أعني البين - جعل مبتدأ الحجاب ، فالمنتهى غيره ألبتّة .
وهذا كاف في الفرق بين الصّورتين ، كيف وقد أعيد « البين » لاستئناف الابتداء من تلك الجهة أيضا ؛ إذ لو قيل : « ومن بيننا » بتغليب المتكلّم لكفى ، ثمّ ضرورة العطف على نحو « بيني وبينك » إن سلّمت لا تنافي إرادة الإعادة له ، فتدبّر . [ ثمّ ذكر نحو البيضاويّ ] ( 24 : 96 )
الطّباطبائيّ : أي حاجز يحجزنا منك ، فلا نجتمع معك على شيء ممّا تريد . فقد أيأسوه صلّى اللّه عليه وآله من قبول دعوته ، بما أخبروه أوّلا : بكون قلوبهم في أكنّة ، فلا تقع فيها دعوته حتّى يفقهوها ، وثانيا : بكون طرق ورودها إلى القلوب وهي الآذان مسدودة ، فلا تلجها دعوة ولا ينفذ منها إنذار وتبشير ، وثالثا : بأنّ بينهم وبينه صلّى اللّه عليه وآله حجابا مضروبا لا يجمعهم معه جامع ، وفيه تمام الإياس .
( 17 : 360 )
المصطفويّ : أي فواصل وموانع وفروق من جهة العقائد والأخلاق والأعمال ، وهي الحجاب بيننا وبينك .
( 2 : 177 )
مكارم الشّيرازيّ : حال هؤلاء كحال المريض الأبله الّذي يهرب من الطّبيب الحاذق ، ويحاول أن يبعد نفسه عنه بشتّى الوسائل والأساليب . إنّهم يقولون : إنّ عقولنا وأفكارنا موضوعة في علب مغلقة بحيث لا يصلها شيء .
انتبهوا إلى أنّ ( اكنّة ) جمع « كنان » وتعني السّتار ، والأمر لا يقتصر هنا على ستار واحد ، بل هي ستائر من العناد والتّقليد الأعمى ، وأمثال ذلك ممّا يحجب القلوب ويطبع عليها .
إضافة إلى ذلك قالوا : إنّنا لا نسمع لما تقول ونكنّه - نستره - وهي منهم إشارة إلى عطل المركز الأصليّ للعمل ، والوسائل المساعدة الأخرى .
وبعد ذلك ، فإنّ بيننا وبينك حجاب سميك ؛ بحيث حتّى لو كانت آذاننا سالمة فإنّنا لا نسمع كلامك ، فلما ذا - إذا - تتعب نفسك ، لما ذا تصرخ ، تحزن ، تقوم بالدّعوة ليلا ونهارا ؟ اتركنا وشأننا ، فأنت على دينك ونحن على ديننا .
هكذا بمنتهى الوقاحة والجهل ، يهرب الإنسان بهذا الشّكل الهازل عن جادّة الحقّ .
والطّريف أنّهم لم يقولوا : « وبيننا وبينك حجاب » بل أضافوا للجملة كلمة « من » فقالوا :
وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
وذلك لبيان زيادة التّأكيد ، لأنّ بزيادة هذه الكلمة يصبح مفهوم الجملة هكذا : إنّ جميع الفواصل بيننا وبينك مملوءة بالحجب ، وطبيعيّ أن يكون حجاب مثل هذا سميكا عازلا للغاية ، ليستوعب كلّ الفواصل بين الطّرفين ، وبذلك سوف لا ينفع الكلام مع وجود هذا الحجاب . ( 15 : 322 )
فضل اللّه : فهناك أثر من حاجز يحجزنا عنك ، فلا نلتقي معك على شيء ، ولا نجد ما يربطنا لك ، فإنّ هناك كثيرا من الموانع الطّبيعيّة والذّاتيّة والمصلحيّة الّتي تحول بيننا وبينك ، فأنت في واد ونحن في واد آخر ،