وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب ، أن يقال : إنّ اللّه تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم أنّهم عن رؤيته محجوبون .
ويحتمل أن يكون مرادا به الحجاب عن كرامته ، وأن يكون مرادا به الحجاب عن ذلك كلّه .
ولا دلالة في الآية تدلّ على أنّه مراد بذلك الحجاب عن معنى منه دون معنى ، ولا خبر به عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قامت حجّته .
فالصّواب أن يقال : هم محجوبون عن رؤيته ، وعن كرامته ؛ إذ كان الخبر عامّا ، لا دلالة على خصوصه .
( 30 : 100 )
الزّجّاج : وفي هذه الآية دليل على أنّ اللّه يرى في الآخرة ، لولا ذلك لما كان في هذه الآية فائدة ، ولا خسست منزلة الكفّار بأنّهم يحجبون عن اللّه عزّ وجلّ . وقال تعالى في المؤمنين :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
القيمة : 22 ، 23 ، فأعلم اللّه عزّ وجلّ أنّ المؤمنين ينظرون إلى اللّه ، وأنّ الكفّار يحجبون عنه . ( 5 : 299 )
أبو مسلم الأصفهانيّ : ممنوعون من رحمته ، مدفوعون عن ثوابه ، غير مقبولين ولا مرضيّين .
( الطّبرسيّ 5 : 454 )
أي غير مقرّبين ، والحجاب : الرّدّ ، وهو ضدّ القبول .
والمعنى : هؤلاء المنكرون للبعث غير مقبولين عند اللّه .
وهو المراد من قوله تعالى :
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ
آل عمران : 77 .
( الفخر الرّازيّ 31 : 95 )
عبد الجبّار :
كَلَّا إِنَّهُمْ . . .
إلخ ، لا يدلّ على ما تقوله الحشويّة : في أنّه تعالى يرى يوم القيامة ، بأن يرفع عنه الحجب للمؤمنين فيروه ، ويحتجب عن غيرهم فيمنعون من رؤيته ، لأنّ هذا القول يوجب أن يكون تعالى جسما محدودا في مكان مخصوص ، ويجوز عليه السّتر والحجاب ، ويراه قوم دون قوم ؛ من حيث يظهر في جهة دون جهة .
والمراد بالآية : أنّهم ممنوعون من رحمة اللّه ، لأنّ الحجب هو المنع ، ولذلك يقال فيمن يمنع الوصول إلى الأمير : إنّه حاجب له ، وإن كان الممنوع مشاهدا له .
وقال أهل الفرائض في الإخوة : إنّهم يحجبون الأمّ عن الثّلث ، إذا منعوها وإن لم يكن هناك ستر في الحقيقة .
فبيّن بذلك أنّه تعالى يمنعهم بذلك من رحمته وسعة فضله ، ليبعث السّامع بذلك على التّمسّك بطاعة اللّه ، فيكون يوم القيامة من أهل الرّحمة ، لا من المحجوبين عنها . ( 2 : 683 )
الشّريف الرّضيّ : هذه استعارة مجاز ، لأنّ الحجاب لا يطلق إلّا على من يصحّ عليه الظّهور والبطون ، والاستتار والبروز ؛ وذلك من صفة الأجسام المحدثة والأشخاص المؤلّفة . والمراد بذكر الحجاب هاهنا : أنّهم ممنوعون من ثواب اللّه سبحانه ، مذودون عن دخول جنّته ودار مقامته .
وأصل الحجب : المنع ، ومنه قولنا في الفرائض :
الإخوة يحجبون الأمّ عن الثّلث إلى السّدس ، أي يمنعونها من الثّلث ويردّونها إلى السّدس . ومن ذلك أيضا قولهم :
حجب فلان عن باب الأمير ، أي ردّ عنه ، ودفع دونه .