الطّرفين بجانبي ذلك الطّريق أمن من الخوف .
ولا شكّ أنّ طريق الحقّ طريق دقيق ، وقد انزلق رجل الكثير من الخلق عنه ، فمن اعتصم بدلائل اللّه وبيّناته ، فإنّه يأمن من ذلك الخوف ، فكان المراد من الحبل هاهنا : كلّ شيء يمكن التّوصّل به إلى الحقّ في طريق الدّين .
وهو أنواع كثيرة ، فذكر كلّ واحد من المفسّرين واحدا من تلك الأشياء ، فقال ابن عبّاس رضي اللّه عنهما : المراد بالحبل هاهنا : العهد المذكور في قوله :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
البقرة : 40 ، وقال :
إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ
آل عمران :
112 ، أي بعهد ، وإنّما سمّي العهد حبلا ، لأنّه يزيل عنه الخوف من الذّهاب إلى أيّ موضع شاء ، وكان كالحبل الّذي من تمسّك به زال عنه الخوف . [ ثمّ ذكر الأقوال ، وقال : ]
هذه الأقوال كلّها متقاربة ، والتّحقيق ما ذكرنا : أنّه لمّا كان النّازل في البئر يعتصم بحبل تحرّزا من السّقوط فيها ، وكان كتاب اللّه وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة المؤمنين حرزا لصاحبه من السّقوط في قعر جهنّم ، جعل ذلك حبلا للّه وأمروا بالاعتصام به . ( 8 : 173 )
القرطبيّ : والحبل لفظ مشترك ، وأصله في اللّغة :
السّبب الّذي يوصل به إلى البغية والحاجة . [ وذكر معاني الحبل في اللّغة ومنه « العهد » ثمّ قال : ]
وكلّها ليس مرادا في الآية ، إلّا الّذي بمعنى العهد ، عن ابن عبّاس . [ ثمّ نقل قولي ابن مسعود وغيره في أنّه :
القرآن ، والجماعة ، وأضاف : ]
والمعنى كلّه متقارب متداخل ، فإنّ اللّه تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة ، فإنّ الفرقة هلكة ، والجماعة نجاة . ( 4 : 158 )
البيضاويّ : بدينه الإسلام أو بكتابه ، لقوله عليه الصّلاة والسّلام : « القرآن حبل اللّه المتين » . استعار له الحبل من حيث إنّ التّمسّك به سبب للنّجاة من الرّدى ، كما أنّ التّمسّك بالحبل سبب للسّلامة من التّردّي .
وللوثوق به والاعتماد عليه الاعتصام ترشيحا للمجاز .
( 1 : 175 )
نحوه المشهديّ . ( 2 : 184 )
النّيسابوريّ : حال كونكم مجموعين ، وقولهم :
اعتصمت بحبله ، يجوز أن يكون تمثيلا لاستظهاره به ، ووثوقه بعنايته باستمساك المتدلّي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه ، لأنّ وجه الشّبه وصف غير حقيقيّ ومنتزع من عدّة أمور .
ويجوز أن يكون « الحبل » استعارة للعهد والاعتصام ، لوثوقه بالعهد ، بناء على أنّ في الكلام تشبيهين .
ويجوز أن تفرض الاستعارة في الحبل فقط ، ويكون الاعتصام ترشيحا لها .
والحاصل أنّ طريق الحقّ دقيق ، والسّائر عليه غير مأمون أن تزلّ قدمه عن الجادّة ، فيراد بالحبل هاهنا :
ما يتوصّل به إلى الثّبات على الحقّ ، وإن كانت عبارات المفسّرين متخالفة . [ ثمّ ذكرها ] ( 4 : 25 )
أبو السّعود : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ]
إمّا تمثيل للحالة الحاصلة من استظهارهم به