المتأدّبين منهم ، وكلّهم يعدّون من المؤمنين .
ج - التّصريح بحبط أعمالهم وهم لا يشعرون ، فلم يكن صدوره منهم عن قصد وعمد ، حتّى يلحقوا بالكفّار .
د - قوله في ذيلها
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وهذا خاصّ بالمؤمن العاصي دون الكافر المعتدي .
ه - ومن هنا يتبيّن لنا أنّ الخطاب في هذه السّورة المدنيّة وإن كان لعامّة المؤمنين إلّا أنّ الذّمّ متوجّه إلى الأعراب الّذين دخلوا في الإسلام جديدا غير متأدّبين بآدابه ، دون المهاجرين والأنصار الّذين أطراهم في آيات كثيرة ، فإنّهم كما تحكي عنهم السّيرة كانوا يراعون أدبهم مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهم الّذين قال فيهم :
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ . . .
اللّهمّ إلّا الشّاذّ النّادر .
ويؤيّده قوله في آخر السّورة :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ . . .
و
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ . . .
الحجرات : 14 ، 17 .
ولهذا قال الطّباطبائيّ : « وظاهر الآية أنّ رفع الصّوت فوق صوت النّبيّ عليه السّلام والجهر له بالقول معصيتان موجبتان للحبط ، فيكون من المعاصي غير الكفر ما يوجب الحبط » . ثمّ حكى قول بعضهم بالفرق بين :
الحبط بالكفر والحبط بالعصيان ، بأنّ العصيان في هذه الآية يحبط به ثواب ذلك العمل ، والكفر يحبط به ثواب سائر الأعمال . وردّه بأنّ الحبط بالكفر تعلّق في الآيات بنفس الأعمال أيضا .
وحكى وجها آخر لإلحاق العصيان في هذه الآية بالكفر ، وهو أنّ رفع الصّوت فوق صوته والجهر له بالقول ليسا محبطين بنفسهما ، بل من حيث إدّائهما أحيانا إلى إيذائه ، وإيذاؤه كفر ، فنهى عنهما مطلقا ، لأنّهما مظنّة الكفر ، وإن كان منهما ما لا يؤذيه ، لكن يلتبس أحدهما بالآخر ، كما قال :
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ .
وردّه أيضا بأنّ ظاهر الآية النّهي النّفسيّ عنهما دون المقدّميّ أخذا بالاحتياط وحذرا عن القسم المؤذي ، والّذين كانوا يأتون بهما مؤمنون ، كما قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
وهم وإن أمكن أن يسامحوا في بعض السّيّئات بحسبانه هيّنا ، لكنّهم لا يرضون ببطلان إيمانهم وأعمالهم الصّالحة من أصله . لاحظ نصّ الآلوسيّ والطّباطبائيّ .
رابعا : الحبط لغة ، كما تقدّم : نفخ البطن واستعير - كما قال الرّضيّ - للفساد والهلاك والبطلان ونحوها ، وقد شاع فيها كالمعنى الحقيقيّ ولا سيّما في الآيات . وقد تعلّق الحبط فيها جميعا بالأعمال ، وقد فسّروها ب « بطل ثوابها ، بطل عمله » يبطل وتسقط لا يستحقّون عليها ثوابا ، فسد أعمالهم ، ليس شيئا عند اللّه ، لا يحصلون عنها على نتيجة ، بطلت أعمالهم وردّت حسناتهم ، صارت بمنزلة ما لم يكن ، صارت أعمالهم فاسدة كأن لم يكن ، سقوط العمل عن التّأثير ونحوها ، والمعنى واحد وإن اختلفت ألفاظهم ، ومع ذلك فقد اختلفوا في أمور :
الأوّل : أنّ أكثرهم خصّ حبط الأعمال بالكفر ، وقد سبق أنّ آية الحجرات ( 12 ) دلّت على الحبط بالعصيان .
الثّاني : يظهر منهم أنّه خاصّ بالأعمال العباديّة