بالاحتياط ، ممّا لا ريب فيه . لكن كلّا من الفعلين ممّا يدرك كونه عملا سيّئا عقلا قبل ورود النّهي الشّرعيّ عنه كالافتراء والإفك ، وكان الّذين يأتون بهما المؤمنين ، كما صدر النّهي بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
وهم وإن أمكن أن يسامحوا في بعض السّيّئات بحسبانه هيّنا ، لكنّهم لا يرضون ببطلان إيمانهم وأعمالهم الصّالحة من أصله .
فنبّه سبحانه بقوله :
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
على أنّكم لا تشعرون بما لذلك من الأثر الهائل العظيم ، فإنّما هو إحباط الأعمال ، فلا تقربوا شيئا منهما أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون . ( 18 : 308 )
عبد الكريم الخطيب : حبط الأعمال : إبطالها ، وحرمان أصحابها الثّمرة المرجوّة منها .
والسّؤال هنا : كيف تحبط أعمالهم بعمل يعملونه ولا يشعرون بالآثار المترتّبة عليه ؟ وهل يؤاخذ الإنسان على ما يعمله عن غفلة وجهل ؟
والجواب على هذا - واللّه أعلم - أنّ هذا تحذير من أن يكون من المؤمنين شيء من هذا المنهيّ عنه مستقبلا ، بعد أن نهاهم اللّه سبحانه وتعالى عنه . فالمؤاخذة على ما نهوا عنه ، إنّما تبدأ من بعد تلقّيهم هذا النّهي ، ولأنّ مثل رفع الصّوت ، والجهر بالقول ، ممّا قد يكون من بعض النّاس طبيعة لازمة ، أو عادة متحكّمة . فقد جاء هذا التّحذير ليتنبّه المؤمنون وهم بين يدي النّبيّ ، وليحرسوا أنفسهم من أن ينزلقوا ، تحت حكم الطّبيعة ، أو العادة ، إلى هذا المنزلق الّذي تضيع فيه أعمالهم الطّيّبة ، من غير أن يشعروا أنّهم يأتون منكرا ، أو يقصدون إساءة أدب في حضرة الرّسول .
وهذا ، وإن كان من غير قصد ، هو مزلق إلى ما يكون عن قصد ، ووعي ، بعد أن يصبح ذلك عادة مألوفة . ( 13 : 435 )
فضل اللّه : أي حذرا من أن تحبط أعمالكم إذا أسأتم احترام النّبيّ ، ممّا قد يؤدّي إلى الاستهانة به وبأمره ونهيه ؛ فيقودكم ذلك إلى الابتعاد عن خطّ الإيمان بطريقة تلقائيّة لا شعوريّة ، تبعا لما تتركه بعض الأوضاع من تأثير على بعضها الآخر ، فالنّاحية السّلوكيّة قد تترك تأثيرها على النّاحية النّفسيّة ، وتؤدّي بالتّالي إلى لون معيّن من الانحراف في اتّجاه آخر . ( 21 : 136 )
[ لاحظ : « ش ر ك » ]
احبط
أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً .
الأحزاب : 19
ابن عبّاس : فأبطل اللّه بسيّئاتهم حسناتهم .
( 352 )
مقاتل : أبطل اللّه جهادهم ، لأنّه لم يكن في إيمان .
( الواحديّ 3 : 464 )
الطّوسيّ : يعني نفع أعمالهم على وجوه لا يستحقّ عليها الثّواب ، لأنّهم لا يقصدون بها وجه اللّه . ( 8 : 326 )
نحوه القرطبيّ . ( 14 : 154 )
الزّمخشريّ : فإن قلت : هل يثبت للمنافق عمل حتّى يرد عليه الإحباط ؟
قلت : لا ، ولكنّه تعليم لمن عسى يظنّ أنّ الإيمان باللّسان إيمان وإن لم يواطئه القلب ، وأنّ ما يعمل المنافق