والنّزول في
حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ
المائدة : 53 .
فظهر أنّ حقيقة معنى « الحبط » هي السّقوط مع المحو ، وتفسيره بالبطلان والفساد والسّقوط والهدر والحطّ وغيرها ، ليس على ما ينبغي .
فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
البقرة : 217 ، أي لا يشاهدون من أعمالهم أثرا وثوابا ونتيجة معنويّة ، توجب البركة والخير والتّوفيق والتّوجّه والسّعادة لهم ، في دنياهم وآخرتهم .
وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ
محمّد :
28 ، فكانت أعمالهم خلاف ما يريد ويقضي ، ولا يريدون التّوجّه والارتباط والاتّباع والتّعبّد ، فتكون أعمالهم غير مرتبطة ؛ وموافقة لميلهم وهواهم ، كشجرة خبيثة اجتثّت من فوق الأرض مالها من قرار ، فأحبطها اللّه وأفاها .
فظهر أنّ « الحبط » إنّما يتحقّق في تلك الصّورة ، لا فيما إذا كانت الأعمال ثابتة أصيلة صحيحة متحقّقة على ما يقتضي .
فمرجع الحبط إلى الانحباط ؛ إذ لا أساس صحيح ولا أصل ثابت لها .
أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ
الأحزاب : 19 ، لكونها مؤسّسة على شفا جرف هار ، وليست على أساس صحيح ثابت .
فظهر لطف التّعبير بهذه الكلمة دون الإبطال والإفساد والإسقاط وغيرها . ( 2 : 167 )
النّصوص التّفسيريّة
حبط
1 -
. . وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ .
المائدة : 5
أبو عبيدة : أي ذهب . ( 1 : 155 )
الطّبريّ : فقد بطل ثواب عمله ، الّذي كان يعمله في الدّنيا ، يرجو أن يدرك به منزلة عند اللّه . ( 6 : 109 )
الزّجّاج : أي من بدّل شيئا ممّا أحلّ اللّه فجعله حراما ، أو أحلّ شيئا ممّا حرّم اللّه فهو كافر بإجماع ، وقد حبط جميع ما تقرّب به إلى اللّه جلّ ثناؤه من غير ذلك .
( 2 : 152 )
الطّوسيّ : يعني الأعمال الّتي يعملها ، ويعتقدها قربات إلى اللّه ، فإنّها تنحبط ، ولا يستحقّ عليها ثوابا .
( 3 : 447 )
نحوه الطّبرسيّ . ( 2 : 163 )
الفخر الرّازيّ : القائلون بالإحباط قالوا : المراد بقوله :
وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ
أي عقاب كفره يزيل ما كان حاصلا له من ثواب إيمانه .
والّذين ينكرون القول بالإحباط قالوا : معناه أنّ عمله الّذي أتى به بعد ذلك الإيمان فقد هلك وضاع ، فإنّه يأتي بتلك الأعمال بعد الإيمان ، لاعتقاده أنّها خير من الإيمان ، فإذا لم يكن الأمر كذلك بل كان ضائعا باطلا ، كانت تلك الأعمال باطلة في أنفسها . فهذا هو المراد من قوله :
فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ .
( 11 : 149 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 6 : 46 )