النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ . . .
المائدة : 44
6 -
لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ
المائدة : 63
يلاحظ : أنّ فيها محورين : الحبر بمعنى السّرور ، والأحبار : علماء اليهود ، وفي كلّ منهما بحوث :
المحور الأوّل : آيتان مكّيّتان ( 1 و 2 ) وفيها وصف أهل الجنّة بأنّهم ( يحبرون ) أي يسرّون تأكيدا أو مؤكّدة حسن ثوابهم بإزاء سوء عقاب أهل النّار ، وأكثر آيات الثّواب والعقاب مكّيّة ، وفيهما بحوث :
1 - جاءت فيهما بصيغة الفعل دون الوصف ، مثل ( محبورون ) لأنّ الفعل ينبئ عن التّجدّد ، أي يأتيهم كلّ ساعة أمر يسرّهم ، فيتجدّد سرورهم ويتضاعف فرحهم .
2 - جاء الفعل المضارع الدّالّ على الدّوام في المستقبل ، أي إنّ سرورهم دائم .
3 - جاء الفعل بالبناء للمفعول دون الفاعل ، لأنّ ثقل الكلام على بيان سرورهم ، دون ما يسرّهم ، أو للتّعميم والاستيعاب ، أي كلّ ما يشاهدونه وكلّ ما يلاقونه في الجنّة يسرّهم ولا يشاهدون فيها ما يحزنهم ، أو للإبهام والتّعمية تعظيما لنعمها ، وليذهب ذهن السّامع إلى كلّ مذهب ممكن .
4 - جاء الفعل غيبة وخطابا ( يحبرون وتحبرون ) مناسقا للسّياق فيهما وتفنّنا وتعميما .
المحور الثّاني : « الأحبار » أربع آيات ( 3 - 6 ) مدنيّات :
1 - إنّها جاءت بشأن علماء اليهود والنّصارى ، موزّعة بالتّساوي بين سورتين مدنيّتين « التّوبة والمائدة » ، لأنّ النّبيّ التقى بالطّائفتين في المدينة دون مكّة إلّا بمن أرسلوا إليه ليسأله عن مسائل جاءت في سورة الكهف كما هو المشهور .
2 - هاتان السّورتان من أواخر ما نزل بالمدينة رغم أنّه عليه السّلام واجه اليهود منذ دخوله المدينة ، والنّصارى في السّنين الأولى بعد الهجرة ، ومن جلاء طائفة من اليهود إلى الشّام في العام الرّابع ، وتشتّت طائفة أخرى قتلا وأسرا في العام الخامس بعد غزوة الأحزاب ، فما هو وجه تأخير هما نزولا ؟
والجواب : لعلّ جماعة منهم بقيت في المدينة ، أو كانوا بعد جلائهم متّصلين بالنّبيّ واستحكموه في قضاياهم ، أو أنّ محتوى الآيات وإن كان في اليهود والنّصارى إلّا أنّ المسلمين هم الّذين يستفيدون منها ، أو أخّرت حكايتها مع تقدّم حدوثها ، رمزا وكشفا عن دور اليهود والنّصارى في المستقبل في الحوادث الإسلاميّة ، في شرق العالم الإسلاميّ وغربه ، كما ينادي به التّاريخ ، وكما نشاهده اليوم ولا سيّما في فلسطين .
فمحتوى السّورتين ولا سيّما « المائدة » يعدّ كوصيّة وميثاق للمسلمين في أمور مهمّة ، منها شأن اليهود والنّصارى ، لاحظ الميزان ج 5 صدر سورة المائدة والمدخل بحث « مكّيّ السّور ومدنيّها » .
3 - واحدة من الأربع ( 5 ) مدح لليهود بأنّ النّبيّين والرّبّانيّين والأحبار منهم يحكمون بينهم بما استحفظوا