وللمشرك أنداد متعدّدون ، وأرباب متفرّقون ، فإذا أخّر به أمر ، أو نزل به ضرّ ، لجأ إلى بشر أو صخر ، أو توسّل بحيوان . . . فهو دائما مبلبل البال ، لا يستقرّ من القلق على حال . . . » .
6 - ولسان هذه الآية
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ
تنديد وإعجاب من سفاهة هؤلاء ؛ حيث يحبّون الأنداد الّذين لا شعور لها ولا نفع ولا ضرّ ، كيف يسوّون في الحبّ بينها وبين اللّه ، ولها نظائر في القرآن مثل :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ . . .
الحجّ : 11 ، لاحظ « ن وس : النّاس » .
هذا كلّه فيما هو يقين من حبّ النّاس للّه .
وأمّا المحتمل فآيتان ( 45 و 46 ) فإنّ رجوع الضّمير ( على حبّه ) فيهما إلى اللّه إحدى المحتملات ، أي آتى المال ، ويطعمون الطّعام على حبّ اللّه ، وهذا أعلى مضمونا .
وهناك احتمال آخر ، وهو رجوعه إلى المال والطّعام - وهو أظهر لكونهما أقرب - ونظيرهما ( 60 )
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
وسنبحثها .
واحتمال ثالث رجوعه إلى المصدر المفهوم من ( آتى ) و ( يطعمون ) أي على حبّ الإتيان والإطعام ، وهو أبعد الوجوه .
خامسا - جاءت في : حبّ النّاس الأشخاص 5 آيات : ( 47 - 51 ) : أربعة إثباتا وواحدة نفيا ، وفي كلّ بحوث :
أ - ( 47 ) فقالت نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه :
1 - هذا الحبّ الجنسيّ وحيد في القرآن جاء في أحسن القصص القرآنيّة ، وشغل آيات منها ، وصار يضرب به المثل في الحبّ والعشق من ناحيتها ، وفي الاعتصام والعفّة من ناحيته .
2 - الحبّ فيها بدأ من جانب المرأة للذّكر خلافا لغيرها من قصص الحبّ ، فإنّ الحبّ فيها من قبل الذّكر للأنثى غالبا .
3 - وقد فشى هذا الحبّ في المدينة بين النّساء ، فكنّ يلهجن بها حسرة وتمنّيا للوصول إلى هذا الحبيب ، كما وصلت إليه امرأة العزيز ، فقابلنها أوّلا بذمّها ، واتّهامها بالسّفاح تأكيدا :
إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
يوسف :
30 ، وأخيرا بقطع أيديهنّ خطأ بدل الفواكه من دون إحساس الألم ، لشدّة إعجابهنّ بحسنه وإكبارهنّ إيّاه ، وبقولهنّ :
حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
يوسف : 31 .
4 - وقد أدركت امرأة العزيز مكرهنّ بإفشاء سرّها ، فأشركتهنّ في بلائها
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً . . .
يوسف : 31 .
5 - وقد بيّن اللّه فرط هذا الحبّ عنهنّ بجملتين
امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ
قَدْ شَغَفَها حُبًّا ،
والمراودة هي الذّهاب والرّجوع بملائمة لترغيب الطّرف وانخداعه عن نفسه ، وقد شغف الحبّ قلبها وسويداء نفسها .
6 - اشتهرت هذه القصّة بين النّاس وخلال الشّعر والأدب باسمها « زليخا » لكن اللّه ذكرها بانتسابها