5 - حبّ الأنصار للمهاجرين بلغ مبلغ الإيثار والتّضحية في حياتهم ؛ بحيث لم يحسّوا في صدورهم شيئا من الحاجة والشّحّ .
6 - وقد وصف المهاجرين بأنّهم هم الصّادقون ، والأنصار بأنّهم هم المفلحون ، بصيغة تفيد الحصر تعبيرا عن بلوغ الصّدق والفلاح في الطّائفتين ، مبلغ النّهاية والكمال .
7 - ولم يكتف القرآن بذلك حتّى تلاها ب
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
الحشر : 10 ، فقد حفظ القرآن تلك الجوّ الهادئ الصّافي فيمن جاءوا بعد المهاجرين والأنصار حتّى يحبّونهم من دون غلّ في قلوبهم للّذين سبقوهم بالإيمان ، ويقدّرون سبقهم بالإيمان ، ويعدّونهم إخوانا لهم .
8 - كلّ ذلك ألزمنا تقديرهم جميعا ، وأن لا نسيء النّظر إليهم ، ونفرّق بينهم وبين المنافقين الّذين وصفهم بعد تلك الأوصاف الحميدة للمهاجرين والأنصار والّذين جاءوا من بعدهم بقوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ . . .
الحشر : 11 ، وهذا دأب القرآن في التّفريق بين المؤمنين وبين المنافقين ، لا سيّما في آيات سورة التّوبة ، لاحظ « ت وب : تابوا » .
د - ( 50 )
ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ . . .
آل عمران : 119 :
1 - جاءت خلال آيات من سورة آل عمران تحاكي علاقة المؤمنين بأهل الكتاب خاصّة المنافقين من اليهود ابتداء من
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ
آل عمران : 69 ، وانتهاء ب
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ . . .
آل عمران : 118 إلى 120 .
2 - تخاطب المؤمنين تنديدا لهم بأنّكم تحبّون أهل الكتاب ولا يحبّونكم ، أي بلغت شدّة نفاقهم حتّى اشتبه عليكم أمرهم ، فتحسبونهم محبّين لكم فتحبّونهم ، ولكنّهم لا يحبّونكم .
وقد ذكر الفخر الرّازيّ سبعة وجوه من أسباب هذا الخطأ « خامسها : أنّهم يظهرون لكم محبّتهم للرّسول نفاقا ، وهم يبغضون الرّسول » .
وعند ابن كثير « يظهرون لكم إيمانهم نفاقا فتحبّونهم » ويؤيّده ما بعدها
وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ . . .
ولا بأس بذلك فإنّ للنّفاق ذرائع وأساليب ، تختلف بحسب الأحوال والأشخاص .
3 - وقيل : تريدون لهم الإسلام - وهو خير الأشياء - وهم يريدونكم على الكفر - وهو الهلاك - وردّوه بأنّه توبيخ على إرادة إسلامهم ! !
4 - معلوم أنّ هذه الآية جاءت في فترة خاصة من علاقة بعض المسلمين باليهود ، ولا تشمل المسلمين جميعا ، لا في العصر الأوّل ولا في غيره ؛ إذ لم يعهد أنّ كلمة المسلمين اتّفقت على حبّ الكافرين في يوم من الأيّام ، قاله مغنيّة .