والسّلام : أنتم المقرّبون إلى اللّه يوم القيامة .
وعن السّدّيّ قال : تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها ، فيقال : يا أمّة موسى ، ويا أمّة عيسى ، ويا أمّة محمّد ، غير المحبّين منهم ، فإنّهم ينادون : يا أولياء اللّه . وفي بعض الكتب « عبدي أنا وحقّك لك محبّ فبحقّي عليك كن لي محبّا » .
واعلم أنّ الأمّة وإن اتّفقوا في إطلاق هذه اللّفظة ، لكنّهم اختلفوا في معناها ، فقال جمهور المتكلّمين : إنّ المحبّة نوع من أنواع الإرادة ، والإرادة لا تعلّق لها إلّا بالجائزات ، فيستحيل تعلّق المحبّة بذات اللّه تعالى وصفاته . فإذا قلنا : نحبّ اللّه ، فمعناه نحبّ طاعة اللّه وخدمته ، أو نحبّ ثوابه وإحسانه .
وأمّا العارفون فقد قالوا : العبد قد يحبّ اللّه تعالى لذاته ، وأمّا حبّ خدمته أو حبّ ثوابه فدرجة نازلة .
واحتجّوا بأن قالوا : إنّا وجدنا أنّ « اللّذّة » محبوبة لذاتها ، و « الكمال » أيضا محبوب لذاته .
أمّا اللّذّة فإنّه إذا قيل لنا : لم تكتبسون ؟ قلنا : لنجد المال ، فإذا قيل : ولم تطلبون المال ؟ قلنا : لنجد به المأكول والمشروب . فإن قالوا : لم تطلبون المأكول والمشروب ؟
قلنا : لتحصل اللّذّة ويندفع الألم . فإذا قيل لنا : ولم تطلبون اللّذّة وتكرهون الألم ؟ قلنا : هذا غير معلّل ، فإنّه لو كان كلّ شيء إنّما كان مطلوبا لأجل شيء آخر ، لزم إمّا التّسلسل ، وإمّا الدّور ، وهما محالان ، فلا بدّ من الانتهاء إلى ما يكون مطلوبا لذاته . وإذا ثبت ذلك فنحن نعلم أنّ اللّذّة مطلوبة الحصول لذاتها ، والألم مطلوب الدّفع لذاته ، لا لسبب آخر .
وأمّا الكمال فلأنّا نحبّ الأنبياء والأولياء لمجرّد كونهم موصوفين بصفات الكمال . وإذا سمعنا حكاية بعض الشّجعان مثل رستم ، واسفنديار ، واطّلعنا على كيفيّة شجاعتهم ، مالت قلوبنا إليهم ، حتّى أنّه قد يبلغ ذلك الميل إلى إنفاق المال العظيم في تقرير تعظيمه ، وقد ينتهي ذلك إلى المخاطرة بالرّوح ، وكون اللّذّة محبوبة لذاته لا ينافي كون الكمال محبوبا لذاته .
إذا ثبت هذا فنقول : الّذين حملوا محبّة اللّه تعالى على محبّة طاعته أو على محبّة ثوابه ، فهؤلاء هم الّذين عرفوا أنّ اللّذّة محبوبة لذاتها ، ولم يعرفوا أنّ الكمال محبوب لذاته .
أمّا العارفون الّذين قالوا : إنّه تعالى محبوب في ذاته ولذاته ، فهم الّذين انكشف لهم أنّ الكمال محبوب لذاته ، وذلك لأنّ أكمل الكاملين هو الحقّ سبحانه وتعالى ، فإنّه لوجوب وجوده ، غنيّ عن كلّ ما عداه ، وكمال كلّ شيء فهو مستفاد منه ، وأنّه سبحانه وتعالى أكمل الكاملين في العلم والقدرة .
فإذا كنّا نحبّ الرّجل العالم لكماله في علمه والرّجل الشّجاع لكماله في شجاعته والرّجل الزّاهد لبراءته عمّا لا ينبغي من الأفعال ، فكيف لا نحبّ اللّه وجميع العلوم بالنّسبة إلى علمه كالعدم ، وجميع القدر بالنّسبة إلى قدرته كالعدم ، وجميع ما للخلق من البراءة عن النّقائص بالنّسبة إلى ما للحقّ من ذلك كالعدم ، فلزم القطع بأنّ المحبوب الحقّ هو اللّه تعالى ، وأنّه محبوب في ذاته ولذاته ، سواء أحبّه غيره أو ما أحبّه غيره .
واعلم أنّك لمّا وقفت على النّكتة في هذا الباب ،
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 553
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٥٥٣