فكيف يمكن أن يأخذ إنسان واع فاهم عارف باللّه وصفاته ، عارف بعلل الحوادث ، عارف بعالم الطّبيعة وعالم بما بعد الطّبيعة ، أن يأخذ مثل هذا الإنسان العارف الفاهم قطعة من الصّخر منفصلة من الجبل مثلا ، فيستعمل قسما منها في بناء بيته ، أو صنع سلالم منزله ، ويتّخذ قسما آخر معبودا يسجد أمامه ، ويسلّم مقدّراته بيده .
والجدير بالذّكر أنّنا نقرأ في كلام موسى عليه السّلام في الآية الحاضرة ، كيف يقول لهم : أنتم جماعة غارقة في الجهل بصورة دائمة ، لأنّ ( تجهلون ) فعل مضارع ، ويدلّ غالبا على الاستمراريّة ، وبخاصّة أنّ متعلّق الجهل لم يبيّن في الآية ، وهذا يدلّ على عموميّة المجهول وشموليّته .
والأجمل من كلّ ذلك أنّ بني إسرائيل بقولهم :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً
أظهروا أنّ من الممكن أن يصير الشّيء التّافه ثمينا - بمجرّد اختيارهم وجعلهم ووضع اسم الصّنم والمعبود عليه - وتوجب عبادته التّقرّب إلى اللّه ، وعدم عبادته البعد عنه تعالى ، وتكون عبادته منشأ للخير والبركة ، واحتقاره منشأ للضّرر والخسارة ، وهذه هي نهاية الجهل والغفلة .
صحيح أنّ مقصود بني إسرائيل لم يكن هو أن تجعل لنا معبودا يكون خالق العالم ، بل كان مقصودهم هو :
اجعل لنا معبودا نتقرّب بعبادته إلى اللّه ، ويكون مورثا للخير والبركة . ولكن هل يمكن أن يصير شيء فاقدا للرّوح والخاصيّة بمجرّد تسميته معبودا وإلها ، أو بمجرّد صنع صنم وتمثال ، يكون ذا روح وذا آثار وخواصّ دفعة واحدة ؟
هل يمكن أن يبرّر مثل [ هذا ] العمل شيء سوى الجهل والخرافة ، والخيال الواهي ، والتّصوّر الباطل الخاوي ؟ ! ( 5 : 174 )
2 -
. . وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ .
هود : 29
ابن عبّاس : ( تجهلون ) أمر اللّه . ( 184 )
تجهلون ربوبيّة ربّكم وعظمته . ( الواحديّ 2 : 571 )
أبو سليمان الدّمشقيّ : ( تجهلون ) لأمركم إيّاي بطرد المؤمنين . ( ابن الجوزيّ 4 : 98 )
الطّبريّ : ( تجهلون ) الواجب عليكم من حقّ اللّه ، واللّازم لكم من فرائضه ، ولذلك من جهلكم سألتموني أن أطرد الّذين آمنوا باللّه . ( 12 : 30 )
الماورديّ : فيه وجهان : أحدهما : ( تجهلون ) في استرذالكم لهم وسؤالكم طردهم ، الثّاني : ( تجهلون ) في أنّهم خير منكم لإيمانهم وكفركم . ( 2 : 467 )
الطّوسيّ : معناه أراكم تجهلون أنّهم خير منكم لإيمانهم بربّهم وكفركم به .
وقال قوم : إنّهم قالوا له : إنّ هؤلاء اتّبعوك طمعا في المال على الظّاهر دون الباطن ، فقال لهم نوح : إنّهم ملاقوا جزاء أعمالهم ، فيجازيهم على ما يعلم من بواطنهم ، وليس لي إلّا الظّاهر أحملهم على ظاهر الإيمان ، فأنتم تجهلون ذلك . ( 5 : 544 )
الزّمخشريّ : تتسافهون على المؤمنين ، وتدعونهم أراذل ، من قوله :
* ألا لا يجهلنّ أحد علينا *
أو تجهلون لقاء ربّكم ، أو تجهلون أنّهم خير منكم .
( 2 : 266 )