الّذين لم يجاهد وبأموالهم وأنفسهم - من ذوي الأعذار - من تفاوت في الفضل والمنزلة عند اللّه .
فهؤلاء الّذين أعطاهم اللّه المال وعافاهم في أنفسهم ، فلم يفقدوا جارحة من جوارحهم العاملة ، ولم يصابوا بمرض مقعد - هؤلاء إذا أدّوا حقّ اللّه في هذه النّعم الّتي أنعم بها عليهم في المال وفي النّفس ، فبذلوا المال في سبيل اللّه ، وقدّموا أنفسهم للاستشهاد في سبيل اللّه - فقد استحقّوا جزاء المحسنين ، واستوفوه كاملا .
أمّا هؤلاء الّذين لم يكن لهم مال ينفقونه في سبيل اللّه ، أو قدرة بدنيّة على الجهاد بأنفسهم في سبيل اللّه ، فهم - وإن كانوا ولا لوم عليهم ، ولا مؤاخذة - لم يكسبوا ما كسبه المجاهدون بأموالهم وأنفسهم ، وبهذا سبقهم هؤلاء المجاهدون بأموالهم وأنفسهم ، في ميدان الفضل والإحسان ، وكانوا أعلى درجة عند اللّه منهم . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ . . .
فهؤلاء وأولئك قد وعدهم اللّه الحسنى ، وإن كان المجاهدون بأموالهم وأنفسهم أعلى درجة منهم في مقام الإحسان ، الّذي هو حظّ مقسوم بين المسلمين الّذين آمنوا باللّه ، وأدّوا للّه ما أمرهم به جهد طاقتهم ، وما وسعت أنفسهم .
أمّا الّذين آمنوا ، ولم يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم - وبين أيديهم المال ، ومعهم الصّحّة والعافية ، ولكنّهم آثروا السّلامة والدّعة ، وبخلوا بما آتاهم اللّه من فضله - فهؤلاء قد بخسوا دينهم حقّه ، ونزلوا عن درجات المؤمنين ، على حين ارتفع المجاهدون بأموالهم وأنفسهم درجات . وبهذا كان البون بين الفريقين شاسعا ، والمدى بعيدا ، وهذا ما تضمّنه قوله سبحانه :
وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ . . .
فهذا الأجر العظيم الّذي فضّل اللّه به المجاهدين على القاعدين ، هو درجات كثيرة في مقام الإحسان ، ومغفرة من اللّه ورحمة ، تشتمل هؤلاء المجاهدين ، وتبدّل سيّئاتهم حسنات :
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ
الأحقاف : 16 . ( 3 : 872 )
مكارم الشّيرازيّ : تناولت الآيات السّابقة الحديث عن الجهاد ، والآيتان الأخيرتان تبيّنان التّمايز بين المجاهدين وغيرهم من القاعدين ، فتؤكّد عدم التّساوي بين من يبذل المال والنّفس رخيصين في سبيل الهدف الإلهيّ السّامي ، وبين من يقعده عن هذا البذل سبب آخر غير المرض الّذي يحول دونه ودون المشاركة في الجهاد
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ . . . .
وواضح من هذه الآية أنّ المقصود بالقاعدين فيها هم أولئك المؤمنون بالإسلام الّذين لم يشاركوا في الجهاد في سبيله ، بسبب افتقارهم إلى العزم الكافي لذلك ، وتبيّن هنا أيضا أنّ الجهاد المقصود لم يكن واجبا عينيّا ، فلو كان واجبا عينيّا لما تحدّث القرآن عن هؤلاء التّاركين للجهاد بمثل هذه اللّهجة المرنة ، ولم يكن ليوعدهم بالثّواب .
وعلى هذا الأساس فإنّ فضل المجاهدين على القاعدين لا يمكن إنكاره حتّى لو كان الجهاد ليس واجبا عينيّا ، ولا تشمل الآية بأيّ حال من الأحوال أولئك الّذين أحجموا عن المشاركة في الجهاد نفاقا ، وعدوانا .
ويجب الانتباه - أيضا - إلى أنّ عبارة
غَيْرُ أُولِي