الْأَرْضُ
البقرة : 251 ، بغلبة أهل الطّاغوت عليها ، وظلمهم لأهلها ، وإهلاكهم للحرث والنّسل فيها .
فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ . . .
هذا بيان لمفهوم عدم استواء المجاهدين والقاعدين غير أولي الضّرر ، وهو أنّ اللّه تعالى رفع المجاهدين عليهم درجة ، وهي درجة العمل الّذي يترتّب عليه دفع شرّ الأعداء عن الملّة والأمّة والبلاد .
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى
أي ووعد اللّه المثوبة الحسنى كلّا من الفريقين المجاهدين والقاعدين عن الجهاد عجزا منهم عنه ، وهم يتمنّون لو قدروا عليه فقاموا به ، فإنّ إيمان كلّ منهما واحد وإخلاصه واحد .
وقدّم مفعول ( وعد ) الأوّل ، وهو لفظ ( كلّا ) لإفادة حصر هذا الوعد الكريم ، في هذين الفريقين المتساويين في الإيمان والإخلاص ، المتفاضلين في العمل ، لقدرة أحدهما وعجز الآخر . ( 5 : 350 )
نحوه المراغيّ ملخّصا . ( 15 : 129 )
الطّباطبائيّ : وأمر الآية في سياقها عجيب : أمّا أوّلا : فلأنّها قيّدت المجاهدين أوّلا بقوله :
فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ،
وثانيا : بقوله :
( بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) ،
وثالثا : أوردته من غير تقييد .
وأمّا ثانيا : فلأنّها ذكرت في التّفضيل أوّلا أنّها درجة ، وثانيا أنّها درجات منه .
أمّا الأوّل فلأنّ الكلام في الآية مسوق لبيان فضل الجهاد على القعود ، والفضل إنّما هو للجهاد إذا كان في سبيل اللّه لا في سبيل هوى النّفس ، وبالسّماحة والجود بأعزّ الأشياء عند الإنسان وهو المال ، وبما هو أعزّ منه وهو النّفس ، ولذلك قيل أوّلا :
وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
ليتبيّن بذلك الأمر كلّ التّبيّن ، ويرتفع به اللّبس ، ثمّ لمّا قيل :
وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ . . .
لم تكن حاجة إلى ذكر القيود من هذه الجهة ، لأنّ اللّبس قد ارتفع بما تقدّمه من البيان ، غير أنّ الجملة لمّا قارنت قوله :
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى
مسّت حاجة الكلام إلى بيان سبب الفضل ، وهو إنفاق المال وبذل النّفس على حبّهما ، فلذا اكتفى بذكرهما قيدا للمجاهدين ، فقيل :
( الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) ،
وأمّا قوله ثالثا :
وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ . . .
فلم يبق فيه حاجة إلى ذكر القيود أصلا لا جميعها ولا بعضها ، ولذلك تركت كلّا .
وأمّا الثّاني : فقوله :
فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً
( درجة ) منصوب على التّمييز ، وهو يدلّ على أنّ التّفضيل من حيث الدّرجة والمنزلة ، من غير أن يتعرّض أنّ هذه الدّرجة الموجبة للفضيلة واحدة أو أكثر ، وقوله :
وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ . . .
كأنّ لفظة ( فضّل ) فيه مضمّنة معنى الإعطاء أو ما يشابهه ، وقوله :
دَرَجاتٍ مِنْهُ
بدل أو عطف بيان لقوله :
أَجْراً عَظِيماً .
والمعنى : وأعطى اللّه المجاهدين أجرا عظيما مفضّلا إيّاهم على القاعدين ، معطيا أو مثيبا لهم أجرا عظيما وهو الدّرجات من اللّه . فالكلام يبيّن بأوّله أنّ فضل المجاهدين على القاعدين بالمنزلة من اللّه مع السّكوت عن بيان أنّ هذه المنزلة واحدة أو كثيرة ، ويبيّن بآخره أنّ هذه المنزلة ليست منزلة واحدة بل منازل ودرجات كثيرة ، وهي الأجر العظيم الّذي يثاب به المجاهدون .